كثر الحديث مؤخرا عن الليبرالية ، لغويا هي مشتقة من الكلمة الانجليزية (liberty) وتعني الحرية، لكن اصطلاحا فهي فلسفة سياسية وفكرية تقوم على ان الفرد هو محور المجتمع، وان لكل انسان حقوقا وحريات اساسية يجب ان تُحترم وتحميها الدولة.
تقوم الليبرالية على مجموعة من المباديء اهمها ، الحرية الفردية وما تتضمنه من حرية الرأي والتعبير والمعتقد والعمل والتملك ضمن إطار قانوني، المبدأ الثاني هو سيادة القانون على الجميع، فهو فوق الكل، وبعد سيادته تأتي المساواة امامه ، فلا تمييز بالدين او العرق او الجنس او غير ذلك، ثم يقوم الدستور بتقييد سلطة الدولة فيما يعرف(بالحكومة الدستورية) والتي تتضمن الفصل التام بين السلطات كركن اساسي لتكتمل مظاهر الليبرالية، وبذلك يمكن تعريف الليبرالية بشكل ادق على انها فلسفة تدافع عن الحرية الفردية، وسيادة القانون، والحقوق المدنية، مع اختلاف مدارسها في حجم الدور الذي ينبغي ان تؤديه الدولة في الاقتصاد والمجتمع وشتى مناحي الحياة.
تفرع الفكر الليبرالي وتطور مع الزمن والتجربة، فعندما كانت الليبرالية الكلاسيكية تعطي أولوية أكبر للحرية الفردية وتقليص دور الدولة، لم تلبث ان ظهرت النيوليبرالية التي تركز بدرجة أكبر على حرية السوق، والخصخصة، وتقليل تدخل الدولة في الاقتصاد، ثم ظهرت الليبرالية الاجتماعية كتيار لتحقيق التوازن بين الكلاسيكي والنيو ليبرالي، فهي تجمع بين الإيمان بالحريات الفردية(حرية الرأي والتعبير، والاعتقاد، والتملك ، وسيادة القانون ضمن اطار الدستور) وبين دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، فهي ترى ايضا ان الحرية لا تكون حقيقية اذا كان الانسان محروما من التعليم والصحة وفرص العمل ، لذلك تدعم تدخل الدولة لتوفير الحد الادنى من الرفاه، وبهذا المعنى يمكن النظر الى الليبرالية الاجتماعية على انها محاولة لتحقيق توازن بين حرية الفرد و مسؤولية الدولة والتضامن الاجتماعي بدلا من تغليب احدهما على الآخر كما نرى في الليبراليات الاخرى.
ثم ظهرت حديثا الليبرالية التقدمية وهي تيار يجمع بين الدفاع عن الحريات الفردية وبين السعي إلى إصلاح المجتمع لتحقيق مزيد من المساواة والعدالة الاجتماعية وتوسيع الحقوق المدنية ، ايضا ترى الليبرالية التقدمية أن الحرية الحقيقية قد تتطلب تدخل الدولة لإزالة العوائق الاقتصادية والاجتماعية التي تمنع الأفراد من الاستفادة من حقوقهم، وهنا تكمن الخطورة بالنسبة لمجتمعاتنا اذا ما تم تبني هذا الفكر، كون مفهوم "التقدمية" يختلف من بلد إلى آخر؛ فما يُعد تقدمياً في دولة قد لا يُنظر إليه بالطريقة نفسها في دولة أخرى، لأن المصطلح يرتبط بالسياق الثقافي والسياسي لكل مجتمع، اذا فهذا الفكر الليبرالي (التقدمي) بصيغته المطلقة كأنه كلام حق اريد به باطل فقد استعملت كقناع وسلاح ناعم لغزو ثقافي وتدمير قيم وأعراف كانت تسمو احيانا فوق القوانين بمجتمعاتنا ومعيار للسلوك القويم بالمجتمع.
مالذي حدث بالاردن وكيف تسربت بعض من مظاهر الليبرالية التقدمية ؟!؟!
لقد تسربت هذه المظاهر الليبرالية التقدمية من الغرب للاردن( وللمنطقة عموما وبدرجات متفاوته) بعدة طرق، وباعتقادي ان اهم منفذ لها كان تسللها مع المساعدات ( اقتصادية، ثقافية...الخ)، بطريقة دس السم بالدسم، هذه المساعدات المشبوهة التي كانت تشترط احيانا تمرير بعض من مظاهر هذه الليبرالية لاتمام المساعدات، وقد وافق ذلك وجود بعض المسؤولين في مواقع متقدمة من المسؤولية، غضوا الطرف عن دخولها اما بالتبني للفكرة او بالاكراه ،مما تسبب ببداية خلل اجتماعي واقتصادي انتبه له الحس والضمير الشعبي باكرا، وعبر عن ذلك برفضه المطلق لهذه التسريبات، وقد ميزها سريعا ولم تنطلي عليه، وأشر عليها وعلى اصحابها بأصابعة العشرة غير مواربا ولا مداهنا، بالرغم من المسوغات والمبررات السياسية والاقتصادية التي تم تغليفها بها.
ليبرالية اردنية ...هذا ما نريده
إذا انطلقنا من المرجعية الدستورية والدينية والعرفية الأردنية، فإن النموذج الليبرالي الأكثر انسجامًا مع الحالة الأردنية لن يكون الليبرالية الكلاسيكية ولا النيوليبرالية ولا التقدمية بالطبع، بل هو "الليبرالية الاجتماعية، ولنضيف عليها،( الاجتماعية المحافظة)"، و لنسمي هذا النموذج "الليبرالية الاردنية"، (وما المانع ان تسمي كل دولة ليبراليتها باسمها وحسب خصوصيتها الثقافية؟) حيث نفترض ان يكون لهذا النموذج المرتكزات التالية:
الحرية في إطار الهوية الوطنية الثابتة: ان يتم حماية حرية الرأي والمشاركة السياسية والإبداع، مع احترام الهوية العربية الإسلامية للمجتمع، وهو ما ينسجم مع نصوص الدستور الأردني التي تجعل الإسلام دين الدولة.
العدالة الاجتماعية: ان تقدم الدولة دورًا في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وتقليل الفوارق الاقتصادية، وهو ما يتلاءم مع طبيعة المجتمع الأردني.
اقتصاد السوق المنظم: ان يشجع الاستثمار والقطاع الخاص، لكنه يضع ضوابط تمنع الاحتكار وتحمي الفئات الأقل دخلًا.
احترام الأعراف المحلية: ان لا ينظر إلى العشيرة أو التقاليد باعتبارها عائقًا بالضرورة، بل يسعى إلى تطويرها بما يعزز سيادة القانون والمواطنة.
الإصلاح التدريجي والمستمر: ان يكون التغيير عبر الحوار والمؤسسات بدلًا من الصدام أو القطيعة مع القيم السائدة.
أما النماذج الأخرى فتواجه تحديات في السياق الأردني، فالليبرالية الكلاسيكية قد تقلل من دور الدولة في مجتمع ما يزال يعتمد عليها في الخدمات الأساسية، والنيوليبرالية قد تؤدي إلى زيادة الفجوة الاقتصادية إذا لم ترافقها سياسات حماية اجتماعية، والليبرالية التقدمية بصيغتها الغربية تثير جدلًا في بعض، ان لم يكن كل القضايا الاجتماعية والثقافية التي ترتبط بالدين والعرف.
لذلك نرى أن الأردن يحتاج إلى ليبرالية أردنية، لا تستنسخ النموذج الغربي، بل تنطلق من ثلاث مرجعيات متكاملة:
المرجعية الإسلامية بوصفها مصدرًا للقيم العامة، والمرجعية الدستورية التي تكفل الحقوق والحريات وسيادة القانون، والمرجعية الاجتماعية والعرفية بما يعزز التماسك المجتمعي مع تطويرها تدريجيًا بما ينسجم مع المواطنة والدولة الحديثة.
هذا النموذج المقترح يسعى إلى تحقيق توازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع، وبين الأصالة والتحديث، وهو أقرب إلى احتياجات الأردن من تبني أي نموذج ليبرالي بصورته الغربية الخالصة.