خانهُ التعبير… أم خانَ التعبير…؟! تأدَّبوا في حضرةِ الأردن
الدكتور مفضي المومني
02-07-2026 09:36 PM
لم نعد نعرف من أين نبدأ، ولا من أين نلاقيها! من وزيرٍ سابق، أم من شاغلِ منصبٍ سابق، أم من مسؤولٍ أو متعهدِ مناصب، أم من منتظرِ دور، أم من منظر منافقٍ يتقن تبديل الأقنعة، أم من أولئك الذين ينطبق عليهم المثل الشعبي: (قاعدٌ بحضني وبتنتف بدقني؟!).
لقد بلغ الأمر حدًّا لا يُطاق، وأصبحت التبريرات الجاهزة لعِراة ودهاقنة الإساءة إلى الأردن محفوظةً عن ظهر قلب؛ مرةً باسم المصلحة، وأخرى باسم القرابة، وثالثةً تحت عباءة العنصرية، حتى إذا افتُضح أمر أحدهم قالوا: خانهُ التعبير! والحقيقة أنه لم يخنه التعبير، بل خانَ التعبيرَ قاصدًا، وقال ما أراد أن يقوله عن سبق إصرار، لا عن سبق زلة لسان.
كيف يخونه التعبير، وهو الذي وُلِد في الأردن، وترعرع على أرضه، وتعلَّم من خيراته، وتمتع بمواطنةٍ كاملة، وتقلَّد أعلى المناصب، ثم ما إن غادرها حتى (مدَّ إيده عالخُرج) ، وراح يطعن الوطن الذي احتضنه؟!
وللأسف، فهؤلاء ليسوا قلة، بل لهم حظوةٌ لدى الدولة، ونصيبٌ وافر من المواقع العليا. كتبنا، ونصحنا، ونبهنا، وقلنا إن التساهل مع الجحود لا يصنع ولاءً، وإن التغاضي عن الإساءة لا يحمي الدولة، لكن لا حياة لمن تنادي..! .
وأزعم أن السردية الأردنية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت ردًّا على كل جاحدٍ ومارقٍ وحاطبِ ليل، لتعيد للأردنيين ثقتهم بتاريخهم، ولتضع الحقيقة في وجه كل من يحاول الانتقاص من هذا الوطن. غير أن السردية، على أهميتها، لا تكفي إذا لم نتفق أولًا على معنى الأردنية، وعلى معنى الانتماء، وعلى أن الوطن ليس محطةً للمصالح، ولا فندقًا نغادره حين تنتهي المنافع.
بعضهم أردنيٌّ عندما تُوزَّع المكاسب، فإذا انقضت المصالح، انكشف ما في الصدور من حقدٍ وكراهية، وبدأت حملات الانتقاص من الأردن وتاريخه، وشعبه، ومؤسساته، وإنجازاته. وهنا يصبح الصمت تواطؤًا، والتبرير مشاركةً في الإساءة.
ومن يتمادى على الأردن، وهو يحمل رقمه الوطني، ويتمتع بخيراته وحقوقه، أيًّا كان أصله أو منبته، فعليه أن يدرك أن حرية الرأي لا تعني حرية الإساءة إلى الوطن، وأن النقد المسؤول شيء، والطعن المتعمد في الدولة شيء آخر تمامًا. ومن لا يرى في الأردن وطنًا يستحق الاحترام، فليبحث عن مكانٍ آخر يمارس فيه جحوده ورذالته.
تذهبون إلى الولايات المتحدة، أو إلى الدول الغربية والشرقية، فتلتزمون قوانينها، وتحترمون رموزها، وتغدون أكثر حرصًا عليها من أهلها، ثم إذا تعلق الأمر بالأردن، أطلقتم ألسنتكم بالإساءة، وادعيتم أن (التعبير خانكم) ! كلا… لم يخنكم التعبير، وإنما كشف ما كان مختبئًا في النفوس. والله، لو كتبنا ألف سردية، فلن تُصلح ما استقر في بعض القلوب المريضة من جحودٍ وحقد.
إنها ليست دعوةً إلى العنصرية، ولا إلى الفتنة، وإنما دعوةٌ إلى احترام الأردن، وتأديب كل من يتجاوز عليه، وإلى تربية الأجيال على محبته؛ ليس من باب المِنَّة، وإنما اعترافًا بما وفره لأبنائه، ولمن عاشوا على أرضه، مما حُرم منه كثيرون في أوطانٍ أخرى.
أتريدون أن تُغرِّبونا في وطننا؟! هيهات… خسئتم. فالأردن أكبر من المؤامرات، وأبقى من المهاترات، وأرسخ من حملات التشويه. هو وطنٌ نحبه في الشدة قبل الرخاء، وفي الضيق قبل السعة. سيبقى، بإذن الله، محروسًا بعناية الله، ودعوات الأمهات والجدات، وبسواعد المخلصين الذين ورثوا حبَّه كابرًا عن كابر.
وأقول لتلك الزمرة من الجاحدين ما قاله المتنبي:
لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ
فليسعدِ النطقُ إن لم تُسعِدِ الحالُ
وبالعامية الأردنية: «ما شفنا منكم خيرًا للبلد… فسدّوا حلقكم أحسن!»
حمى الله الأردن…