سوء الإدارة… الوجه الآخر للفساد
د. أحمد العموش
02-07-2026 09:38 PM
لم يعد مفهوم الفساد يقتصر على الرشوة أو الاختلاس أو الاعتداء على المال العام، بل أصبح يشمل كل ممارسة تؤدي إلى إهدار الموارد وتعطيل التنمية، وفي مقدمة ذلك سوء الإدارة. فالقرار الحكومي غير المدروس، أو الذي يُتخذ بعيدًا عن الأسس المهنية والمؤسسية، قد يخلّف آثارًا اقتصادية واجتماعية لا تقل خطورة عن أي قضية فساد مالي.
ومن هذا المنطلق، فإن مخالفات السلوك الوظيفي للوزراء وكبار المسؤولين ينبغي ألا تُقاس فقط بوجود شبهة مالية، وإنما يجب أن تشمل أيضًا المخالفات الإدارية، وسوء الإدارة، والإهمال، والقرارات التي يثبت أنها ألحقت ضررًا بالمصلحة العامة أو أهدرت المال والوقت والفرص التنموية. فالمساءلة الحقيقية لا تكون على النوايا، وإنما على جودة القرار ونتائجه.
كما أن الرقابة الحديثة لا تقتصر على التأكد من سلامة الإجراءات، بل تمتد إلى تقييم الأثر الفعلي للسياسات والقرارات الحكومية، ومدى تحقيقها للأهداف التي أُقرت من أجلها. فنجاح أي حكومة لا يُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن وتنعكس على الاقتصاد والخدمات العامة.
وفي السياق ذاته، فإن إشهار الذمة المالية يمثل إحدى أدوات تعزيز النزاهة، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا بقي مجرد إجراء شكلي لا يُراجع إلا بعد ظهور الشبهات. المطلوب هو تفعيل الرقابة الدورية على الذمم المالية، بما يعزز الوقاية والشفافية، ويجعل الإفصاح أداة لحماية المال العام، لا وثيقة تُستدعى بعد وقوع المخالفة.
إن نجاح منظومة التحديث الإداري لا يعتمد على تطوير التشريعات والهياكل التنظيمية فحسب، بل يبدأ من ترسيخ ثقافة المسؤولية والمساءلة، واختيار القيادات القادرة على اتخاذ القرار بكفاءة واستقلالية، وربط المسؤولية بالنتائج. فالمسؤول الذي يمتلك الخبرة والنزاهة والإحساس بالمسؤولية الوطنية هو حجر الأساس في أي مشروع إصلاحي.
إن الأردن يمتلك من الكفاءات والخبرات ما يؤهله لتحقيق نقلة نوعية في الأداء الحكومي، شريطة أن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز، وأن تكون المساءلة شاملة لكل من يسيء استخدام السلطة، سواء كان ذلك بهدر المال العام أو بسوء الإدارة أو بقرارات تضر بالمصلحة الوطنية.
فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق فقط بمحاربة الفساد التقليدي، وإنما أيضًا بإرساء إدارة عامة تقوم على الكفاءة، والشفافية، والمساءلة، والرقابة على النتائج. وعندما يصبح القرار الحكومي مسؤولية يُحاسب عليها صاحبه، كما يُحاسب على أي تجاوز مالي، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو دولة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر قوة، وثقة أكبر بين المواطن ومؤسسات الدولة.