facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الحظيرة إلى الاستوديو .. كليلة ودمنة .. بطريقتي


نيڨين العياصرة
02-07-2026 09:46 PM

في يومٍ من الأيام قررت أن أصنع نخبةً من لا شيء..

فأحضرت بقرة وقرداً ، وقلت في نفسي: لماذا تبقى النخبة حكرًا على المعارف والأصدقاء ؟ لنجرب الطريق المختصر الذي يبدو أنه أصبح أكثر ازدحاماً من الطرق الأخرى.

كان المشروع يحتاج إلى المال أولاً، فالشهرة تُروى بالإعلانات والرعايات والصور والعلاقات العامة، ويحتاج لوصلة شعر للبقرة وعدة أطقم.

جلست مع البقرة وقلت لها:

"من اليوم أنتِ مشروع محلل استراتيجي وخبير في الشؤون الدولية، لكن عليكي ببعض الواجبات البسيطة؛ اقرأي عناوين الأخبار كل صباح واحفظي أسماء الدول التي تتكرر في النشرات."

فصارت تردد كل يوم:

إيران...إسرائيل...روسيا...
أوكرانيا...الصين...بلغاريا...
الممرات البحرية...
التوازنات الدولية...


ثم سألتني:
"وهل يجب أن أفهم ما أقول؟"
فقلت لها:

"لا يا صديقتي، الفهم مرحلة متقدمة، أما النخبة الحديثة فتكتفي بإتقان نبرة الصوت، والنظر بعيداً نحو الأفق أثناء الحديث، وهز الرأس بين الجمل."

أما القرد فكان مشروع خبير اقتصادي.طلبت منه أن يحفظ كلمات مثل:العجز، النمو، الاستثمار، التضخم، الحوكمة، النمو، الاستثمار، الناتج المحلي
الإصلاح الهيكلي، الاقتصاد الرقمي..
فقال:"وإذا سألني أحد عن معناها؟"
قلت:"قل إن المشهد الاقتصادي معقد، وإن الأرقام يجب أن تُقرأ ضمن سياقها التاريخي والإقليمي والدولي."

ومرت الأيام، حتى جاء موعد الظهور الأول...

جلست البقرة أمام الكاميرا، وعدّلت شعرها، وعقدت حاجبيها، ثم قالت بصوتٍ عميق:
"المشهد معقد، والمنطقة تمر بتحولات استراتيجية غير مسبوقة."

التفت إليه الجمهور بإعجاب، وكأنهم يستمعون إلى حكيمة خرجت للتو من مكتبةٍ عمرها ألف عام.

أكملت البقرة حديثها:"هناك متغيرات إقليمية ودولية، وتحالفات جديدة، ومصالح متشابكة، وكل الاحتمالات واردة."

صفق الجمهور بحرارة، رغم أن أحداً لم يعرف على وجه الدقة ماذا قالت، ولا ماذا تقصد، لكن نبرة الثقة كانت كافية لإقناع الجميع بوجود معنى عظيم ضاع منهم وحدهم.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت القناة تستضيف البقرة كل مساء للحديث السياسي والتحليل الاستراتيجي، حتى صار طريقها إلى الاستوديو أقصر من طريقها إلى الحظيرة.

أما القرد فقد لمع نجمه في الاقتصاد.

كان يبدأ حديثه قائلاً:"تشهد المؤشرات الاقتصادية حالة من التذبذب المرتبطة بمستويات النمو والاستثمار والإنتاجية."
فإذا سأله المذيع:"وكم بلغت نسبة النمو هذا العام؟"

توقف القرد قليلاً وقال:"لو سمحت... كوب ماء."

يشرب الماء ببطء، ويقلب أوراقاً بيضاء أمامه، ثم يجيب:
"الأرقام وحدها لا تعكس الواقع، والأهم هو قراءة المؤشرات ضمن السياق العام."

فيهز المذيع رأسه إعجاباً، بينما يهز الجمهور رؤوسهم إعجاباً بالمذيع الذي هز رأسه إعجاباً بالقرد.

ومع مرور الوقت، أصبحت البقرة خبيرة في حروب لم تزر بلدانها، وأصبح القرد مرجعاً في اقتصادات لم ير عملاتها قط.

ثم بدأت القنوات تتنافس على استضافتهما، وتكاثرت الألقاب: قيادة سياسية، المحللة الاستراتيجية ...
الخبير الاقتصادي البارز...
المفكر والباحث...
وصاحب الرؤية المستقبلية...

فسألني أحدهم ذات يوم:

"كم سنة تحتاج البقرة لتصبح محللة استراتيجياً؟"

فقلت:

"إذا توفر التمويل الكافي،واعجبت المخرج فقد لا تحتاج إلى أكثر من موسم إعلامي واحد."

وسأل آخر:"وكم كتاباً يحتاج القرد ليصبح خبيراً اقتصادياً؟"
فأجبته:"الكتب قد تربك المشروع أحياناً، يكفي أن يحفظ كلمات مثل الاستدامة والحوكمة والإصلاح والتحول الرقمي، وسيقوم الباقي على نبرة الصوت."

عندها نظرت البقرة إلى القرد، ونظر القرد إلى البقرة ثم قالا معاً:"لقد كنا نظن أن الطريق إلى النخبة يمر عبر الدراسة والتجربة والمعرفة، حتى اكتشفنا أن الطريق الأسرع يمر عبر الاستوديو."

ومنذ ذلك اليوم، كلما ظهر خبير جديد فجأة يعرف كل شيء عن كل شيء، تذكرت بقرتي وقردي، وابتسمت في سري قائلاً:"ما أكثر الطرق المؤدية إلى الشاشة، وما أقل الطرق المؤدية إلى المعرفة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :