التجربة الزيدية .. كيف تتحول مكافحة الفساد إلى فلسفة دولة ؟!
فيصل تايه
06-07-2026 09:22 AM
لا ينبغي أن يُختزل الحديث عن مكافحة الفساد في استقالة وزير، أو ملاحقة موظف، أو توقيف مسؤول، على أهمية هذه الإجراءات. فمثل هذه الخطوات تعكس احترام القانون، لكنها لا تكفي وحدها لبناء مشروع إصلاحي يغيّر مسار الدولة. القضية أعمق من ذلك بكثير؛ فهي تتعلق بالسؤال الصادم الذي يحدد مستقبل الدول: متى تتحول مكافحة الفساد من رد فعل على قضية أو حادثة، إلى فلسفة حكم، وثقافة مؤسسية، ونهج ثابت في إدارة الدولة؟
يجب ان نعي تماماً ان الدولة لا يمكن ان تستمد ثقة مواطنيها بكثرة الوعود، بل بثبات الإرادة السياسية، ولا يمكن ان تُقاس قوة مؤسساتها بعدد القوانين التي تصدرها، بل بعدد المرات التي يُطبَّق فيها القانون على الجميع دون استثناء. وعندما تصبح سيادة القانون هي المرجعية العليا، يتحول المنصب العام من امتياز إلى مسؤولية، وتصبح الوظيفة العامة تكليفاً لخدمة الوطن، لا وسيلة لتحقيق المصالح.
وفي هذا السياق، تستحق التجربة التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أن تُقرأ بوصفها محاولة لإرساء هذا المفهوم، لا بوصفها حدثاً سياسياً عادياً ، فما أعلنه الزيدي من أن أموال العراقيين أمانة في أعناق الحكومة، مؤكداً أن لا حصانة لفاسد، يمثل رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا؛ رسالة مفادها أن الدولة تبدأ باستعادة ثقة مواطنيها عندما يشعر الجميع أن المال العام مصون، وأن القانون لا يميز بين مسؤول ومواطن.
وقد تثبت الأيام نجاح هذه التجربة أو تواجهها تحديات، فذلك أمر تحكمه النتائج لا الأمنيات. لكن التاريخ يكاد يجمع على حقيقة ثابتة، وهي أن كل إصلاح كبير يبدأ بإرادة سياسية واضحة، ثم يكتسب شرعيته الحقيقية عندما يتحول إلى مؤسسات وقواعد راسخة تستمر بعد تعاقب الحكومات وتغير الأشخاص.
فالدول لا تُبنى بالخطابات مهما بلغت بلاغتها، وإنما تُبنى عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من النفوذ، والمساءلة قاعدة لا استثناء ،فقد أثبتت تجارب الأمم أن أخطر ما يواجه الدول ليس وجود الفساد بحد ذاته، وإنما اعتياد التعايش معه.
فعندما يصبح التجاوز أمراً مألوفاً، وتفقد المجتمعات حساسيتها تجاهه، وتتعامل بعض المؤسسات معه باعتباره أمراً يمكن احتواؤه لا اجتثاثه، تصبح كلفة الإصلاح أعلى من كلفة المشكلة نفسها. أما الدولة التي تمتلك شجاعة المواجهة، فإنها لا تبدأ باسترداد الأموال فقط، بل تبدأ باسترداد الثقة، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة حديثة.
إن الفساد لا يبدأ عندما تُهدر الأموال، بل يبدأ عندما يفقد المواطن يقينه بأن القانون يسري على الجميع بالمعيار ذاته. وعندما تستعيد الدولة هذه القناعة، فإن أول ما تسترده ليس المال العام، وإنما الثقة العامة. والثقة هي الرصيد الوحيد الذي لا تستطيع الحكومات اقتراضه، ولا شراؤه، ولا فرضه بالتشريعات، وإنما تبنيه بالعدالة، وتحافظ عليه بالشفافية، وتعززه بالمساءلة.
ولعل هذه الفلسفة ليست بعيدة عن الرؤية التي أكد عليها جلالة الملك عبد الله الثاني في أكثر من مناسبة، عندما شدد على أن محاربة الفساد أولوية وطنية، وأن المال العام مصان. ولم تكن هذه التوجيهات يوماً شعاراً سياسياً عابراً، بل هي المحرك الأساسي لعمل مؤسساتنا الرقابية، وعلى رأسها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، للتأكيد على أن هيبة الدولة تبدأ من سيادة القانون، وأن ثقة المواطن لا تُكتسب بالخطاب، وإنما بالممارسة، ولا تُصان إلا عندما يشعر الجميع أن العدالة تُطبق بمعيار واحد.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الخطوة التي اتخذها رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بطلب استقالة وزير العمل، على خلفية ما أُعلن رسميًا بشأن شبهة تضارب مصالح، باعتبارها رسالة تؤكد أن معايير النزاهة وحماية الثقة العامة ليست مسائل إجرائية فحسب. إن هذا القرار يثبت أن مفهوم الفساد في الدولة الحديثة تجاوز المفهوم التقليدي للاخـتلاس المباشر، ليمتد إلى "الفساد الناعم" المتمثل في تضارب المصالح واستغلال النفوذ، وهو الأخطر لأنه يمس نزاهة القرار السياسي ومصداقية مؤسسات الدولة.
غير أن تحويل مكافحة الفساد إلى مشروع للدولة لا يكتمل عند حدود المحاسبة، بل يمتد إلى مراجعة الأداء المؤسسي، وتطوير الإدارة العامة، ورفع كفاءة الأجهزة التنفيذية. ولن تتحقق هذه الكفاءة بمعزل عن أدوات العصر كـ "الحوكمة الرقمية"؛ فالأتمتة وتجفيف منابع البيروقراطية هما السلاح الذي يقلل التدخل البشري ويغلق الأبواب الخلفية أمام أي تجاوز. فالقيادة ترسم الاتجاه، والحكومة تضع السياسات، لكن المؤسسات هي التي تصنع النتائج. وإذا لم تصبح ثقافة التطوير والمراجعة جزءاً من العمل اليومي، فإن الفجوة قد تتسع بين جودة الرؤية وجودة التنفيذ.
إن الدول التي نجحت في ترسيخ مكانتها لم تصل إلى ذلك بكثرة القوانين، بل لأنها جعلت كل مؤسسة تخضع لمراجعة مستمرة، وتعتبر التطوير مسؤولية دائمة لا مرحلة مؤقتة. فالإصلاح الحقيقي لا يتوقف عند محاسبة المقصر، بل يبدأ أيضاً بتمكين الكفاءات، وتجديد أدوات الإدارة، وتعزيز ثقافة الإنجاز، حتى تصبح المؤسسة شريكاً في صناعة المستقبل.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من أي تجربة إصلاحية، هو أن معركة النزاهة لا تنتهي بإغلاق ملف، ولا بإصدار قرار، بل تبدأ عندما تتحول إلى ثقافة حكم، وإلى منظومة قيم تحكم أداء الدولة ومؤسساتها. وفي نهاية المطاف، لا يخلد التاريخ الحكومات بعدد القرارات التي اتخذتها، ولا بعدد المسؤولين الذين غادروا مواقعهم، بل يخلد اللحظة التي قررت فيها دولة أن تجعل القانون فوق النفوذ، والمال العام فوق المصالح، والكفاءة فوق المجاملة، والخدمة العامة فوق الامتيازات. وهناك تبدأ الرحلة الحقيقية نحو دولة أكثر قوة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.