facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الخليج أمام لحظة الحقيقة .. إما صناعة التوازن أو دفع ثمن حروب الآخرين


سمير حمدان - بودابست
06-07-2026 12:08 PM

لم تكن مشاركة السعودية في مراسم وداع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي خطوة بروتوكولية عابرة، بل حملت دلالات سياسية تتجاوز رمزية المناسبة إلى قراءة أوسع للتحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، فالمنطقة تدخل مرحلة لم يعد فيها ممكناً إدارة الأمن الإقليمي بمنطق الخصومات المفتوحة أو انتظار انهيار الخصوم باعتباره طريقاً لتحقيق الاستقرار، لقد أثبتت تجارب العقدين الماضيين أن سقوط الدول لا ينتج بالضرورة أمناً لجيرانها، بل يطلق موجات ممتدة من الفوضى، ويعزز نفوذ الفاعلين غير الحكوميين، ويهدد الاقتصاد الإقليمي، ويجعل الجميع أكثر عرضة للمخاطر، ومن هنا لم تكن الرسالة موجهة إلى طهران وحدها، بل إلى الإقليم بأسره، فالاستقرار لم يعد ترفاً سياسياً أو خياراً قابلاً للتأجيل، بل أصبح مصلحة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن والتنمية معاً.

هذا الإدراك يعكس تحولاً أعمق في التفكير الاستراتيجي الخليجي، قوامه الانتقال من وهم الحسم النهائي للصراعات إلى واقعية إدارة التنافس ضمن سقف يمنع الانفجار الشامل. فالتجربة المريرة في العراق وسوريا واليمن أظهرت أن إضعاف دولة مركزية لا يعني بالضرورة تقليص التهديد، بل قد يفتح الباب أمام قوى مسلحة عابرة للحدود تستنزف الجميع، وتحوّل الجغرافيا إلى فراغ أمني مزمن، بحيث يغدو منع الانهيار أولوية لا تقل أهمية عن ردع الخصوم التقليديين .

في هذا السياق، بدت الحرب في اليمن نموذجاً صارخاً لتكلفة الصراع المفتوح على الأمن الخليجي، إذ تحولت من ساحة نفوذ إقليمي إلى مصدر دائم لتهديد الملاحة في البحر الأحمر واستهداف العمق السعودي، قبل أن تتبلور قناعة متزايدة بأن تسوية سياسية منضبطة، ولو كانت ناقصة، أقل كلفة من استمرار الاستنزاف ، والأمر نفسه ينطبق على الخطر المتكرر في مضيق هرمز، حيث يكفي حادث واحد أو تصعيد محدود لتعطيل جزء حيوي من إمدادات الطاقة العالمية، ورفع كلفة التأمين والشحن، وإرباك موازنات دول ما زالت عوائد النفط والغاز تشكّل ركناً رئيسياً من مداخيلها رغم مشاريع التنويع الطموحة .

ومن هنا لم يعد السؤال : من يربح ومن يخسر في المواجهة مع إيران ؟ بل أصبح كيف يمكن منع هذه المواجهة من الانزلاق إلى حرب شاملة تعصف بالمنطقة برمتها؟ فإيران حقيقة جيوسياسية ثابتة، كما أن دول الخليج حقيقة راسخة في معادلة الطاقة والاقتصاد العالمي، وبين هاتين الحقيقتين بات المطلوب بناء صيغة توازن تجمع بين الردع الواضح والانخراط المحسوب ، ردع يمنع المغامرة، وانخراط يفتح قنوات الحوار في اللحظة التي يصبح فيها التصعيد مخاطرة مشتركة على الجميع، لا ورقة ضغط لطرف واحد .

في الوقت ذاته، أثبتت الأزمات الأخيرة أن كلفة الصراع لم تعد عسكرية فحسب، بل اقتصادية ومالية واستثمارية أيضاً فاضطراب شبكات التوزيع ، وارتفاع أسعار التأمين والشحن، وتذبذب ثقة المستثمرين، كلها عوامل تضرب صميم الرؤى الوطنية الخليجية القائمة على التنويع الاقتصادي، وجذب رؤوس الأموال، وتوطين الصناعات والخدمات، ما يجعل أي انفجار إقليمي يرتد فوراً على الموانئ والمطارات وأسواق المال وبيئات الأعمال التي سعت دول الخليج إلى تقديمها كملاذ آمن في عالم مضطرب .

أما القوى الكبرى، فإنها تتحرك وفق أولوياتها المتغيرة، وتعيد توزيع مواردها وتحالفاتها بحسب ما تفرضه الحروب في أوروبا والتحولات في آسيا، من دون التزام ثابت بالشكل الذي عرفته المنطقة خلال العقود الماضية ،وهذا لا يلغي أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة وأوروبا، ولا يقلل من قيمة الانفتاح على الصين والقوى الآسيوية الصاعدة، لكنه يذكّر بأن أي تحالف لا يعني تطابقاً كاملاً في المصالح، وأن الاعتماد المطلق على مظلة خارجية لم يعد خياراً مضمون النتائج، بل مخاطرة في حد ذاته إن لم يقترن بتعزيز القدرات الذاتية واستقلال القرار .

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة خليجية أكثر استقلالاً، لا تقطع مع الحلفاء التقليديين، ولا تندفع إلى أحضان الخصوم السابقين، بل تبني سياسة توازن دقيقة تقوم على تنويع الشركاء، وتماسك الجبهة الداخلية، وتطوير أدوات القوة الناعمة والصلبة معاًً ، فالدولة التي تحمي مصالحها ليست الأكثر ضجيجاً في خطابها، بل الأكثر قدرة على اختيار لحظة التصعيد ولحظة التهدئة، وعلى منع تحويل جغرافيتها أو اقتصادها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة .

ويبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من منطق إطفاء الحرائق إلى المساهمة في صياغة نظام إقليمي أكثر استقراراً ، فهذا النظام لن يَعِد بإنهاء الخلافات، لكنه يستطيع تنظيمها ضمن قواعد واضحة، عبر قنوات اتصال دائمة حتى في أوقات التوتر، وآليات لخفض التصعيد عند حافة الانفجار، ومجالات تعاون محددة في ملفات مثل أمن الطاقة والملاحة ومكافحة الجريمة المنظمة، بما يقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات لا يمكن السيطرة على نتائجها .

واليوم يقف الخليج أمام لحظة اختبار حقيقية، فإما أن يظل متلقياً لصدمات حروب الآخرين، أو يصبح شريكاً فاعلاً في صناعة توازنات تحمي مصالحه أولاً. فالقرار لن يُقاس بالشعارات ولا بحدة الخطابات، بل بنوعية الخيارات والسياسات التي تتبنّاها العواصم الخليجية في السنوات المقبلة ، وفي عالم تتسارع فيه التحولات، لا تُقاس قوة الدول بعدد الحروب التي تخوضها، بل بعدد الحروب التي تنجح في تجنبها، وبقدرتها على صناعة توازن يحمي أوطانها، ويحفظ أمنها، ويصون مستقبل أجيالها وهذه في جوهرها، هي لحظة الحقيقة .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :