facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إذا… رحلة الإنسان إلى ذاته


كابتن أسامة شقمان
06-07-2026 10:07 PM

صدرت قصيدة "إذا" (If) للشاعر البريطاني روديارد كبلنغ عام 1910، في صورة وصايا أبوية هادئة، لكنها تتجاوز حدود النصح المباشر لتصبح تأملاً عميقاً في بناء الإنسان من الداخل، وفي قدرته على الثبات حين تتقلب الأحوال من حوله.

وحين تأملت معانيها، وجدت أن كل وصية تفتح باباً خاصاً على النفس، لذلك قسمت ما فهمته منها إلى ست عشرة فقرة تأملية مستقلة، كتبتها بلغتي ومن خلال تجربتي، مستعيناً بما علمتني إياه السنون والأسفار. فالتجربة لا تمنحنا أجوبة جاهزة، لكنها تجعلنا أكثر بصيرة في فهم الأسئلة.

وقد بدأت هذه الرحلة بطلب من ابني الدكتور رائد، المقيم في بريطانيا، ثم اتسعت لتصبح رسالة إليه، وإلى أبنائي وأحفادي، وإلى كل من يؤمن بأن تهذيب النفس هو أعمق أشكال الانتصار.

فليست أعظم الرحلات ما نعبر فيه القارات، بل ما نقطعه من ضيق النفس إلى سعة الحكمة. وليس الارتفاع الحقيقي ما تقيسه أجهزة الطائرة، بل ما يبلغه الإنسان من وعي بلا تعالٍ، وقوة بلا قسوة، وإنسانية بلا ضعف.

أولاً: الحلم من غير أن نصبح أسرى له
النصيحة كما وردت
"إذا استطعتَ أن تحلم، من دون أن تصبح أسيراً لأحلامك."
ما فهمته من هذه النصيحة
الحلم ضرورة في حياة الإنسان؛ فهو يفتح أمامه أفقاً يتجاوز واقعه، ويمنحه الشجاعة لصنع ما لم يوجد بعد. لكن الحلم يفقد قيمته حين يصبح بديلاً عن العمل، أو حين يعلّق الإنسان سعادته كلها على تحققه، فيؤجل حياته منتظراً مستقبلاً قد لا يأتي بالصورة التي تخيلها.

وقد علمتني تجربتي أن معرفة الوجهة لا تكفي للوصول إليها؛ فكما أن الطائرة تحتاج إلى خطة ومسار واستعداد لتغيّر الرياح، يحتاج الحلم إلى عمل وصبر ومرونة. وقد نكتشف مع مرور الزمن أن بعض أحلامنا القديمة لم تعد تناسب الإنسان الذي أصبحناه، وليس تعديلها خيانةً للنفس، بل قد يكون دليلاً على النضج.

فاحلم، لكن اجعل حلمك دليلاً يقودك، لا قيداً يمنعك من عيش حاضرك.

ثانياً: التفكير من غير أن يصبح غايةً في ذاته
النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن تفكر، من دون أن تجعل التفكير غايتك.»

ما فهمته من هذه النصيحة
التفكير نور يهدي الإنسان، لكنه قد يتحول إلى متاهة إذا بالغ فيه حتى عجز عن اتخاذ القرار. فالحياة لا تقدم يقيناً كاملاً، ومن ينتظر أن تتضح له جميع الاحتمالات قد يبقى واقفاً عند البداية بينما تمضي الفرص.

وقد علمتني تجربتي أن التفكير يشبه أجهزة الملاحة في الطائرة: تحدد الاتجاه وتكشف المخاطر، لكنها لا تُغني عن الإقلاع. فلا بد بعد الدراسة والاستشارة من شجاعة الحركة، مع الاستعداد للتعلم وتصحيح المسار.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يجعل الفكر وسيلةً للحياة، لا بديلاً عنها، وأن يحذر من اتخاذ التحليل ستاراً للخوف والتردد. فالفكرة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فعل.

فكّر حتى يستقيم اتجاهك، ثم تحرّك؛ فالعقل يرشد الطريق، والشجاعة تبدأ الرحلة.


ثالثاً: استقبال النجاح والفشل بروحٍ واحدة

النصيحة كما وردت

«إذا استطعتَ أن تقابل النجاح والفشل، وأن تعامل هذين الخادعين بالطريقة نفسها.»

ما فهمته من هذه النصيحة
النجاح والفشل حالتان عابرتان، ولا ينبغي لأيٍّ منهما أن يحدد قيمة الإنسان. فالنجاح قد يخدعه بالغرور، والفشل قد يقنعه بأن الطريق انتهى. وقد علمتني الحياة أن القائد الحقيقي لا يُقاس فقط في الأجواء الهادئة، بل في قدرته على حفظ اتزانه حين تتغير الظروف.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يبين أن النضج لا يعني ألا نفرح أو نحزن، بل ألا نصبح أسرى للانتصار أو الهزيمة. نستقبل النجاح بالشكر، والفشل بالتعلم، ونواصل السير دون أن يفقدنا الأول تواضعنا أو يسلبنا الثاني رجاءنا.

فالطريق أطول من نجاح عابر، وأوسع من فشل مؤقت.

رابعاً: أن تسمع حقيقتك وقد حُرِّفت
النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن تسمع الحقيقة التي قلتها وقد حرّفها المخادعون، ليجعلوا منها فخاً للآخرين.»
ما فهمته من هذه النصيحة
من أشد ما يؤلم الإنسان أن يرى كلماته وقد خرجت عن معناها، أو نواياه وقد قُدّمت بصورة لا تشبهها. لكن الحكمة تقتضي التمييز بين من أساء الفهم ويستحق التوضيح، ومن تعمد التحريف ولا يبحث عن الحقيقة.

وقد علمتني التجربة أن تصحيح المسار لا يكون دائماً بكثرة الكلام؛ فكما يعود الطيار إلى الحقائق والأدوات عند اضطراب القراءة، ينبغي للإنسان أن يراجع نفسه، ويوضح ما يستطيع، ثم يترك لسلوكه أن يشهد له.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يحذر من أن يدفعنا التحريف إلى الغضب أو الارتهان لرأي الناس. فليس مطلوباً أن نصحح صورتنا في كل ذهن، بل أن نحفظ صدقنا ونراجع أنفسنا بإنصاف.
وضّح حقيقتك، ثم دع الأيام وأفعالك تتكلمان عنك.


خامساً: أن تبدأ من جديد بعد انهيار ما بنيته
النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن ترى الأشياء التي وهبتها حياتك وقد تحطمت، ثم تنحني لتعيد بناءها بأدوات بالية.»

ما فهمته من هذه النصيحة
الانهيار لا يهدم الأشياء وحدها، بل يحمل معه تعب السنين والآمال المرتبطة بها. ومع ذلك، فما يسقط أمامنا لا يأخذ كل ما بنيناه؛ تبقى الخبرة، وتبقى المعرفة، ويبقى الإنسان أكثر فهماً مما كان عند البداية.

وقد علمتني التجربة أن العودة إلى نقطة البدء ليست عودة إلى الصفر. فكما يعود الطيار من رحلة صعبة بمعرفة أدق للطقس والطريق، يبدأ الإنسان من جديد بما اكتسبه من وعي ونضج.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يبين أن القوة الحقيقية تظهر حين ننهض بأدوات قليلة وظروف غير مثالية. لكن إعادة البناء تقتضي أن نفهم أسباب السقوط، لا أن نكرر الخطأ نفسه.
ابدأ بما بقي، فخسارتك لا تصبح نهائية إلا إذا أخذت معها إرادتك.


سادساً: أن تخاطر بما تملك، ثم تبدأ من جديد إن خسرت
النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن تجمع كل ما كسبته، وتغامر به في ضربة واحدة، ثم تخسر، وتبدأ من جديد، من غير أن تنطق بكلمة عن خسارتك.»
ما فهمته من هذه النصيحة
لا يدعو كبلنغ إلى التهور، بل إلى شجاعة القرار الواعي. فكل طريق مهم يحمل احتمال الربح والخسارة، لكن الحكمة تقتضي أن ندرس، ونستشير، ونوازن بين الطموح والمسؤولية.

وقد علمتني التجربة أن المجازفة الحقيقية هي التي يتحمل الإنسان نتائجها بنفسه، لا أن يعرّض حقوق الآخرين للخطر. فإذا وقعت الخسارة، ظهر معدن صاحبه: هل يستهلك نفسه في اللوم، أم يحول ما حدث إلى معرفة تعينه على النهوض؟

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يحرر الإنسان من ربط كرامته بما يملك. فالمال والمكانة قد يزولان، أما الإرادة فتمكّنه من البدء من جديد.
خاطر بعقل، وتحمل النتيجة بشجاعة، واجعل خسارتك درساً لا هوية.


سابعاً: أن تواصل حين تخور قواك
النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن تُجبر قلبك وأعصابك وعضلاتك على خدمتك، بعد أن تكون قد ضعفت منذ زمن، وأن تظل صامداً حين لا يبقى فيك شيء إلا الإرادة التي تقول لها: اثبتي.»
ما فهمته من هذه النصيحة.

بعض مراحل الحياة لا تحتاج إلى فكرة جديدة، بل إلى قدرة هادئة على الاستمرار. وقد علمتني التجربة أن التوقف المؤقت ليس فشلاً؛ فكما قد تحتاج الطائرة إلى خفض الارتفاع أو تعديل المسار، يحتاج الإنسان أحياناً إلى الراحة أو تغيير خطته دون أن يفقد وجهته.

الفرق كبير بين الراحة والاستسلام: الأولى تعيد القوة، والثاني يعلن النهاية. وقد تبقى في النفس إرادة صغيرة تقول: حاول مرة أخرى.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يبيّن أن القوة الحقيقية تظهر حين تضعف سائر القوى. ومع ذلك، فالثبات لا يعني القسوة على النفس؛ فقد تكون الحكمة في طلب العون أو تغيير الأسلوب.
استرح إن احتجت، لكن لا تمنح التعب حق إعلان نهاية رحلتك.

ثامناً: أن تختلط بالناس من غير أن تفقد فضيلتك

النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن تتحدث مع الجموع، وتحتفظ بفضيلتك.»
ما فهمته من هذه النصيحة
أخلاق الإنسان لا تُختبر في العزلة، بل وسط الناس، حيث المصالح والضغوط والرغبة في القبول. وقد يدفع الخوف من الرفض المرء إلى مسايرة ما لا يؤمن به، أو السكوت عن خطأ يراه.

ومن خلال أسفاري، أدركت أن الناس يختلفون في لغاتهم وعاداتهم، لكن حاجتهم إلى الاحترام والصدق واحدة. لذلك يمكن للإنسان أن يغيّر أسلوبه ليفهمهم، من غير أن يغيّر جوهره لإرضائهم.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي أراد كبلنغ أن يحذر من قوة الجماعة؛ فليس كل ما يشيع صواباً، ولا كل ما يصفق له الناس جديراً بالاتباع. لكنه لم يدعُ إلى التعالي، بل إلى الثبات بتواضع.

كن قريباً من الناس، لكن لا تجعل رضاهم ثمناً تدفعه من ضميرك.


تاسعاً: أن تمشي مع الملوك من غير أن تفقد صلتك بالناس

النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن تمشي مع الملوك، من غير أن تفقد اللمسة الإنسانية البسيطة.»

ما فهمته من هذه النصيحة المكانة امتحان للأخلاق، لا مجرد امتياز. فالسلطة لا تصنع الإنسان بقدر ما تكشف ما في داخله. ومن يعلُ مقامه حقاً لا ينسَ بداياته، ولا الوجوه التي ساندته قبل أن تحيط به الألقاب.

وقد علمتني الحياة أن التواضع لا يظهر في الكلمات، بل في احترام من لا يملك نفعاً ولا ضرراً، وفي الاستماع إلى الناس دون تعالٍ، وفي معاملة الإنسان لقيمته الإنسانية لا لموقعه.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي أراد كبلنغ أن يبقى الإنسان ثابت الجوهر بين أصحاب السلطة وعامة الناس؛ فلا يفقد رأيه أمام الأقوياء، ولا يتصنع التواضع لكسب محبة البسطاء. فليس الارتفاع أن تكون فوق الآخرين، بل أن ترتفع دون أن تنساهم.

عاشراً: ألا يستطيع الصديق ولا العدو أن يؤذيك أكثر مما ينبغي
النصيحة كما وردت

«إذا لم يستطع الأعداء ولا الأصدقاء المحبّون أن يؤذوك.»

ما فهمته من هذه النصيحة

العلاقات تمنح الحياة معناها، لكنها لا ينبغي أن تمنح الآخرين سلطة كاملة على سلامنا الداخلي. فالصديق قد يخطئ، والعدو قد يتعمد الإساءة، لكن قيمتنا لا تُقاس بمدح هذا ولا بذم ذاك.

وقد علمتني التجربة أن الإنسان يحتاج إلى قلب مفتوح وحدود واضحة؛ يحب دون أن يفقد نفسه، ويتألم دون أن ينهار، ويستمع إلى النقد دون أن يسمح له بتحديد مساره.
ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي

أراد كبلنغ تحرير الإنسان من الارتهان لرأي الآخرين. فقد تحمل ملاحظة العدو شيئاً من الحقيقة، وقد تحمل مجاملة الصديق مبالغة. والحكمة أن نزن الكلام بعدله، لا باسم قائله.
أحب الناس، لكن لا تجعل كرامتك رهينة لمدحهم أو ذمهم.

حادي عشر: أن تملأ الدقيقة بما يستحقها النصيحة كما وردت «إذا استطعتَ أن تملأ الدقيقة التي لا ترحم بستين ثانية من السعي الذي يستحق.»
ما فهمته من هذه النصيحة

الوقت هو الثروة التي لا نعرف مقدار ما بقي منها، وما يمضي منه لا يعود. لكن ملء الدقيقة لا يعني تحويل الحياة إلى سباق مرهق؛ فقد تكون الراحة، والتأمل، والجلوس مع من نحب من أثمن ما نصنعه بالزمن.

وقد علمتني التجربة أن الوقت يشبه الوقود في الرحلة: لا تكمن قيمته في كثرته، بل في حسن توجيهه نحو الوجهة الصحيحة. فأن تعيش الدقيقة حقاً يعني أن تكون حاضراً فيما تفعل، لا أن تمر بها غائباً.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي

أراد كبلنغ أن يوقظ في الإنسان مسؤوليته تجاه عمره، وأن يذكّره بأن الزمن لا ينتظر. والمقصود بالسعي ليس كثرة الحركة، بل أن تمنح وقتك لما يستحق.
اختر ما يستحق عمرك، فالدقيقة التي تُمنح معنى لا تذهب سدى.

ثاني عشر: أن تحافظ على هدوئك حين يفقد الآخرون هدوءهم
النصيحة كما وردت

«إذا استطعتَ أن تحتفظ برأسك حين يفقد جميع من حولك رؤوسهم، ويلقون عليك اللوم.»
ما فهمته من هذه النصيحة

الهدوء الحقيقي يظهر عند الفوضى، لا في الأوقات المستقرة. وهو لا يعني الضعف أو قبول الظلم، بل أن تمنع الغضب من اتخاذ القرار نيابةً عنك.
وقد علمتني سنوات الطيران أن اضطراب الأجواء لا يعالَج برفع الصوت، بل بقراءة الموقف والعودة إلى الإجراءات الصحيحة. وكذلك الحياة؛ قد لا نوقف العاصفة، لكننا نستطيع ألا نسمح لها بأن تدخل إلى عقولنا.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يبيّن أن قيادة النفس تسبق قيادة المواقف. فالإنسان الهادئ يراجع نفسه، ويعترف بخطئه إن أخطأ، لكنه لا يسمح لضجيج الآخرين بأن يدفعه إلى رد الظلم بظلم.
حين تعلو الأصوات من حولك، اخفض الضجيج في داخلك؛ فالهدوء يمنح القوة اتجاهها الصحيح.

ثالث عشر: أن تثق بنفسك مع إفساح المجال لشك الآخرين

النصيحة كما وردت

«إذا استطعتَ أن تثق بنفسك حين يشك فيك الجميع، ولكنك تراعي شكهم أيضاً.»

ما فهمته من هذه النصيحة

الثقة بالنفس لا تعني الاعتقاد بأننا لا نخطئ، بل أن نعرف قدرتنا على التعلم والمراجعة والاستمرار. فشك الآخرين لا ينبغي أن يهدمنا، لكنه قد يكشف جانباً لم ننتبه إليه.
وقد علمتني التجربة أن الإنسان يحتاج إلى بوصلة داخلية، لكنه يحتاج أيضاً إلى من ينبهه إذا انحرف. ففي الطيران، يثق القائد بخبرته، لكنه لا يتجاهل تحذيرات الأجهزة أو آراء الطاقم.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي أراد كبلنغ أن يجمع بين الشجاعة والتواضع: أن تسير وراء قناعتك، مع استعدادك لمراجعتها إذا ظهرت حقيقة جديدة.
ثق بنفسك بما يكفي لتواصل، وتواضع بما يكفي لتصغي؛ فلا شك الناس يهدمك، ولا ثقتك تعميك.

رابع عشر: أن تنتظر من غير أن يرهقك الانتظار

النصيحة كما وردت
«إذا استطعتَ أن تنتظر، ولا تتعب من الانتظار.»

ما فهمته من هذه النصيحة
الانتظار ليس فراغاً، بل امتحان للصبر والثبات. فالحياة لا تمنح نتائجها دائماً في الوقت الذي نريده، وبعض ما نراه تأخيراً قد يكون إعداداً لنا أو حمايةً من أمر لم تتضح حكمته بعد.

وقد علمتني الرحلات أن التأخير ليس دائماً عدواً؛ فقد تنتظر الطائرة تحسناً في الطقس، ويكون هذا الانتظار سبباً في سلامة الرحلة. وكذلك الإنسان، قد لا يستطيع تعجيل الفرصة، لكنه يستطيع أن يستثمر زمنها في التعلم والاستعداد.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يحذر من أن تتحول فترة الانتظار إلى شكوى أو يأس. غير أن الصبر لا يعني الخمول أو البقاء في طريق مغلق، بل معرفة متى ننتظر ومتى نتحرك.
لا تجعل تأخر ما تريد يوقف حياتك؛ ازرع في زمن الانتظار، لتصل إلى موعدك أكثر نضجاً واستعداداً.

خامس عشر: إذا كُذب عليك، فلا تجعل الكذب طريقك

النصيحة كما وردت
«إذا كُذب عليك، فلا تنحدر إلى التعامل بالكذب.»
ما فهمته من هذه النصيحة

تُختبر الأخلاق حين نُساء معاملتنا ونملك القدرة على الرد بالمثل. لكن خطأ الآخرين لا ينبغي أن يصبح مبرراً لخطئنا؛ فالصدق قيمة نختارها لأنفسنا، لا مكافأة نقدمها لمن يستحقها.

وهذا لا يعني السذاجة أو إعادة الثقة بلا حساب. يمكن للإنسان أن يواجه، ويضع الحدود، ويحمي حقه، من غير أن يسمح للخداع بأن يغيّر طبيعته. فمن يكذب عليك يعبث بالحقيقة، أما إن دفعك إلى الكذب، فقد عبث بضميرك أيضاً.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يبيّن أن المبدأ الحقيقي لا يتغير بتغير معاملة الناس. وقد يكون الصمت أحياناً حكمة، لكن الخداع يظل خداعاً.

احذر من الكاذب، لكن احذر أكثر أن يجعلك شبيهاً به؛ فربح موقف لا يساوي خسارة صدقك مع نفسك.

سادس عشر: إذا كرهك الناس، فلا تمنح الكراهية مكاناً في قلبك
النصيحة كما وردت
«إذا كرهك الناس، فلا تستسلم للكراهية.»
ما فهمته من هذه النصيحة

الكراهية لا تؤذي من تُوجَّه إليه وحده، بل قد تنتقل إلى قلبه فتغيّر طبيعته. لذلك لا ينبغي للإنسان أن يسمح لمن أساء إليه بأن يزرع فيه المشاعر نفسها التي آلمته.
وهذا لا يعني قبول الظلم أو البقاء قريباً ممن يؤذينا. نستطيع أن ندافع عن أنفسنا، ونضع الحدود، ونبتعد، من غير أن نجعل الانتقام غايتنا. فالحقد حمل ثقيل، وغالباً ما يتعب صاحبه أكثر ممن كان سبباً فيه.

ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي
أراد كبلنغ أن يميّز بين القوة والانتقام. فالقوة الحقيقية أن تحفظ حقك من غير أن تفقد نقاء قلبك، وألا تجعل كراهية الآخرين حكماً على قيمتك.
دافع عن نفسك دون ظلم، وابتعد حين يلزم، لكن لا تمنح من أساء إليك حق الإقامة في قلبك.


الخاتمة: حين يصبح الإنسان سيد نفسه
الخلاصة كما وردت في معنى القصيدة
«فستكون لك الأرض وما فيها، وفوق ذلك ستكون رجلاً يا بُني.»
ما فهمته من هذه الخاتمة

بعد رحلة طويلة بين الأرض والسماء، أدركت أن أصعب قيادة ليست قيادة الطائرة، بل قيادة النفس. فالسماء تعلم الطيار أن الارتفاع لا يحميه من الخطأ، وأن الثبات لا يأتي من غياب العواصف، بل من القدرة على قراءة الموقف، وضبط الخوف، وتصحيح المسار.

وهذا، في تقديري، هو جوهر وصايا كبلنغ. فالإنسان لا يصبح ناضجاً لأنه لم يضعف، بل لأنه عرف ضعفه ولم يستسلم له. ولا يصبح حراً لأنه امتلك الدنيا، بل لأنه لم يسمح لها أن تمتلك قلبه أو ضميره. ينجح من غير غرور، ويفشل من غير انكسار، ويقترب من أصحاب النفوذ من غير أن ينسى البسطاء، ويحفظ كرامته من غير أن يحتقر أحداً.
ما أراد كبلنغ إيصاله، حسب فهمي

حين قال كبلنغ: «ستكون لك الأرض وما فيها»، أراه يقصد أن من يملك نفسه لا يعود أسيراً للمال أو المنصب أو المديح أو الخسارة. أما قوله: «ستكون رجلاً يا بُني»، فهو حديث عن النضج الأخلاقي: أن تكون قوياً دون ظلم، شجاعاً دون تهور، ورحيماً دون ضعف.

وهكذا أرى أن أعظم نجاح ليس أن تصل بعيداً، بل أن تصل إلى نهاية الرحلة وقد بقي ضميرك سليماً، وقلبك أكثر صفاءً، وإنسانيتك أكثر عمقاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :