facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




(سقراط) عبد الرزّاق الربيعي .. مرافعة شعرية لاسترداد سلطة الفكر والتفكير


المحامية جمانة الطراونة
07-07-2026 09:33 PM

لو حكّمنا ذائقتنا النقديّة منحازين للشعر، في طرحه للقضايا الكبرى، وفضّلنا مسرحيّة الشاعر صلاح عبد الصبور الشعرية ( مأساة الحلّاج) على بقيّة مسرحيّاته، وثمنّا مغامرة الشاعر عبد الوهّاب البياتي في مسرحيته الوحيدة ( محاكمة في نيسابور)، وانبهرنا بمسرحيّة الشاعر عبدالرزّاق عبد الواحد ( الحرّ الرياحي)، يمكننا أن نختار من تجربة الشاعر عبدالرزّاق الربيعي مسرحيّته الشعرية (كأسك يا سقراط)، المنشورة في كتابه (سقراط والتغريدة الأخيرة) الصادر عن دار لبان للنشر بدعم من وزارة الثقافة والرياضة والشباب والجمعيّة العمانيّة للمسرح، ففيها يخرج الربيعي من النمط التقليدي والكلاسيكي لشكل المسرحية كفن من الفنون الأدبية، ليؤدي دوره في أداء رسالته بما يتماشى مع تطور الحياة والمجتمع.

وكنت قد قدّمت قراءة عن هذه المسرحية في كتابي(تمثّلات الحداثة وما بعدها في المسرح العماني) الصادر عن الهيئة العربيّة للمسرح 2025م وقلت أنه تجاوز النمط السائد والمتعارف عليه لهذا الجنس الأدبي من حيث الشكل والرؤية مخاطبا جميع التيارات الفكرية ، والاجتماعية، والسياسية، و الاقتصادية والعقائدية، فهو يؤسّس لصياغة أنماط جديدة من العلاقات بتقنيات متعددة على مستويات مختلفة أقرب ما تميل إلى الاتساع والشمول بتقاطع زمنيين مختلفين إذ جعل أحداث مسرحيته تجري على مستويين زمنيين، المستوى المعاصر، والمستوى التاريخي القديم ،وقد وظف عناصر متعددة في النص لتخدم هذه المستويات ،إلا أنه جعل الدور الأبرز والأكثر ظهورا وتأثيرا عبر مجريات الأحداث في نصه المسرحي للمستوى التاريخي ، فأغلب الأحداث كانت تجري في زمن سقراط، وكانت تتخللها مجريات معاصرة تقوم على التفاعل الحواري بين شخصيات المسرحية ، ففي المشهد الأول "دماء الشمس" تخلل الأحداث مشهد لسقراط وهو يقف أمام سبورة ويجتمع حوله تلاميذ بأزياء عصرية، وتم الربط بين تعدد هذه المستويات بما يخدم المواقف الفكرية المصاغة في النص فعزز المستوى الزمني ليشتبك مع تقنية تداخل مستويات الأصوات ( أصوات سيارات نجدة ، يدقُّ أحد الكؤوس، يكرر الحركة السابقة ، صوت سفينة تختفي، يضحكون ، صوت جرس ، يخرج التلاميذ، صرخة).


اختار الكاتب في بداية مشهد "دماء الشمس" تسعة كؤوس، فلماذا تسعة؟ وإلى أين يريد أن يصل بالقارئ أو المتلقي وماهي دلالة هذا العدد؟ ربما لأن العدد تسعة يحيل إلى بداية ولادة الإنسان وخروجه لمواجهة الكون وتمثلت صراحة في النص بـ (البدايات، ميلاد جديد، بداية الحياة ،الانطلاق، التحرّر من ظلمات الرحم) ، ثم يخرج كل ممثل من جوف الكأس، كما يُولد الإنسان من بطن أمه ليبدأ حياته، ومن ثم مواجهة التحديات التي ستصادفه في معركته مع الحياة، وفي دلالة تأكيدية على البدايات يستهل الكاتب نصه في الكأس الأول بفعل ابتدأ:

" ابتدأ الليل
بقتل الإنسان
أخاه الإنسان
أمام عيون الغربان "

في إشارة منه إلى بداية أول متاعب الإنسان وأول خطيئة على وجه الأرض وهي القتل (الظلم ،الاعتداء ،التسلط ،غياب القيم،) بتوظيف موروث ديني تناقلته جميع الأيدولوجيات الدينية وهو قتل قابيل لأخيه هابيل بما تحمله من تضاد ثنائيتي (النور والظلام )،و(الصعود والهبوط)

وبطريقة غير مباشرة يحيل الكاتب المشهد إلى المتلقي مشركا إياه في النص ،ليملأ الفجوات الفارغة التي تركها عامدا عندما أشار إلى قتل الإنسان لأخيه الإنسان أمام عيون الغربان، ليواري المتلقي سوءة الفجوة حتى يكتمل المشهد لديه، ومن الجدير بالذكر أن الكاتب أضمر تضاد (البياض والسواد )كثنائية مضمرة عندما أشار إلى الغراب (أسود اللون) الذي أخجل الإنسان ( ببياض فعله )عندما علّمه كيف يواري سوءة أخيه ويحفظ كرامته ،ويشعره بالندم، وهذا ما أعاد التوازن في التضادات السابقة لنخرج منها ببنية جديدة مضمرة وهي أن الأغلبية الصامتة (الغربان) من الممكن أن يكون لها دور في إحداث التغيير.

من خلال تضاد هذه الثنائيات تتضح لنا البنية الكلية، وهي الصراع بين (الخير والشر)، والتي تولدت منها بنى (القتل والظلم والاعتداء والتسلط وغياب القيم)
كل هذه البنى تقودنا إلى توليد معنى ودلالة من داخل النص ومن ثم استخلاص الأنساق الكثيرة التي انبثقت منها (المعرفية والتنويرية والثقافية والسياسية والسلطوية والاقتصادية والمادية والاجتماعية) التي تتلخص بأن خلاص العالم يبدأ من تبني الفكر، والحوار لتنمية حقول المعرفة التي ستقود العالم إلى بر الأمان بعد أن أغرقها الجهل والانقياد الذي يمارسه الحكام والساسة ومن يعيش على فتاتهم .

يحمل النص بنى لغوية و دلالات متعددة كما أسلفنا بثنائيات متضادة ما بين ما هو كائن وهو (الشر ،الظلم ، الموت ، الخوف )وما يجب أن يكون وهو (نشر الخير وتحقيق العدل وبث الروح في الحياة والأمان )، فضلا عن الدلالات التي يفضي إليها النص بتضاداتها على مستوى المعنى نجد أيضا توظيف الكاتب للتضاد على المستوى التركيبي والنحوي بتضاد (الحدوث والثبوت)، حيث استهل الكاتب النص بجملة فعلية مكونة من فعل ماض وفاعل :- "ابتدأ الليل " وما تفضي اليه الجملة الفعلية من دلالات على (الحدوث) بفعل البدء لينقلنا إلى جملة إسميه " بقتل الإنسان" وما تفضي اليه الجملة الإسمية من (الثبوت ) حيث قام بتوظيف هذه التضادات النحوية لتخدم النص داخليا من أجل إسقاطها على واقع سياقي خارجي.

تنتقل فينا المشاهد بسلسلة من التضادات في النص من (الماضي) إلى (الحاضر)، من التاريخ والموروث والقديم لنجد أنفسنا أمام ضابط شرطة يطلب الهوية الشخصية من سقراط، ومحام بثياب عصرية ومصورين برؤية واقعية (لواقع عصري) واقع نعيشه الآن، وقام بتوظيفه في محاولة منه لاستنطاق هذا الموروث الإنساني لما فيه من مخزون طاقي ومعرفي وتنويري يزيد من تخصيب الخيال، وخلق صور تعبيرية بما يخدم نصه في جوانبه الاجتماعية والسياسية والفكرية.


وتكمن قيمة الموروث التاريخي القديم في أنه يلتحم ويتجانس مع مواقف الكاتب التي يتبناها، ومقاصده ،وميوله وآرائه ،فيوظفها لإثراء خطابه كجسر يعبر به إلى الواقع الذي يرغب بتغييره، إذ لم يختر الرمز"اوطيفرون "عبثا الا ليجسد به موقفا يدافع عنه أو رأيا يتبناه فابتدع محاورة بينه وبين سقراط ، لنستنبط منها قيما ومثلا عليا تشكل بنى لنصه مثل (الخير، الشر، العدالة ، الحيادية، الحكمة ) ليسقطها في آخر الحوار بينهما على من يتصدرون المواقف، ويتحكمون بمصائر الشعوب من الحكام والساسة ،ومن يدعمهم من الشعراء والخطباء لتأثيرهم المباشر على مشاعر الشعوب واللعب على عواطفهم بمحسناتهم الخطابية المغلفة لصالح جشع الحكام وأطماعهم وتغليب مصلحتهم الخاصة على مصالح العامة ، فتنبثق من هنا أنساق متعدّدة منها توظيف الدين لتوجيه الرأي العام وتسخيره ليتوافق مع ما يعزز مصالح الأيدولوجيات، واستخدامه لتبرير طاعة الحكّام.


نجح الكاتب بتوظيفه لشخصيات المسرحية من خلال الحوارات التي تدور بينهم لتؤدي كل شخصية دورها الموكلة به، فتنوعت الشخصيات بين شخصيات نمطية فردية الكأس (1،2،3 ) وشخصيات نمطية جماعية ( مجموعة 1 ، مجموعة 2 ) وبتضاد ثنائيتي الفرد والجماعة وما تحيل إليه من أهمية الفرد في المجتمع وما يمكن أن يحدثه من فرق.

نخلص بالنتيجة إلى أن الكاتب حرص أشد الحرص أن يجعل السلطة بيد المتلقي ليقف من فكرته التي ينادي بها وهي :-حمل لواء الفكر والتفكير الذي يقود المجتمع بالنهاية إلى بر النجاة من كل ما يحيط به من عراقيل ومشكلات تواجهه في حياته اليومية، وعدم اتباع سياسة السير مع القطيع بل التفكير في الاتجاه الذي يسير به وتحديد موقفه من كل ما يدور حوله دون أن يُملى عليه اتخاذ موقف معين لمجرد أن الجميع اتخذوا هذا الموقف ،فجاء نصه ليخاطب الجمهور، والمتلقي والقارئ ليتخذ موقف الناقد الذي يستمع، ويرى، ويحلل، ويفسر ويخلص بالنهاية إلى نتيجة يقودها إليه العقل والتفكير، ومن ثم الحكم عليها واتخاذ قراره الذي يقود بالنهاية إلى التغيير للأفضل ،ومثل هذه الأعمال المسرحية تحتاج عقلا واعيا يقظا مدركا لما يجري حوله من أحداث، فكان المسرح هو المساحة المناسبة التي يتنقل عليها الكاتب بكل سلاسة لطرح أفكاره وتوجهاته الفكرية والتنويرية والمعرفية.

وعلى مستوى الحدث لجأ الكاتب عبدالرزّاق الربيعي إلى الماضي، فأخذ من التاريخ القديم والموروث الثقافي والمعرفي أحداثا حصلت مع المفكر والفيلسوف اليوناني سقراط ، حتى يحقق التأريخية والتغريب ، أي أنه أخذ من الماضي أحداثا واسقطها على الحاضر .

ومن أجل ضمان عدم الاندماج والمعايشة في السياق الدرامي المتتابع قدّم الكاتب الحوار على شكل مقاطع منفصلة، ومشاهد مستقلة مثل مشهد (الكؤوس التي يخرج منها الممثلون، اجتماع التلاميذ حول سقراط أمام السبورة ، تطلع امرأة من أحد الكؤوس ...) ،وقام بكسر سير التتابع في الأحداث بقطعها (بصوت السفينة ،صرخة ،دق أحد الكؤوس، أصوات فرح في القاعة، تصفيق، وألعاب ناريّة ،أصوات سيارات نجدة) ومن أجل تكثيف التغريب قام الكاتب بتوظيف مشاهد حركية غير منطقية مثل ( يدخل أرستوفان يسير بحركات بهلوانية ، يدخل محامٍ بثياب عصرية مع صحفيين، ومصورين ...يحدث دخولهم فوضى).

وتتضح تجليات الحداثة في نص "كأسك يا سقراط" في استعمال اللفظ وتوظيف الموقف وإدارة الأحداث في غير مكانها المألوف والمعتاد عليه لتحقيق التغريب بجعل المتعارف عليه والمتفق على ماهيته غريبًا، ليمنح المتلقي فرصة التفكير والتأمل في أحداث المسرحية، ومن ث م اتخاذ القرار بالتغيير ،وقد ركز الكاتب على رفض معايشة الممثل واندماجه في المشهد عن طريق التقطعات السياقية والزمنية والمكانية والحركية والصوتية والضوئية التي تحدثت عنها سابقًا، حتى لا تنتقل العدوى للمتلقي ويبقى يقظًا محتفظًا بعقله يراقب يفكر، ويحلل، ويصدر حكمه الذي سيساهم حتما في التغيير فيما بعد، ومن تقنية تداخل مستويات الأصوات إلى تقنية التقطع، المقاطعة بأنماط مختلفة، وبوظائف متعددة، وقد عمد الكاتب إلى تكرارها في جميع مشاهد المسرحية لتؤدي كل منها وظيفتها في النص بما يخدم الفكرة التي يؤسس لها الكاتب .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :