بين راية الوطن وراية مؤتة… حكاية مجد لا تنتهي
محمد مطلب المجالي
30-06-2026 10:39 PM
حين ترفرف راية الوطن في السماء، يشعر الأردني بعزة الانتماء وكرامة الهوية، فهي ليست قطعة قماش تزين الساريات، بل رمز وطنٍ صاغته التضحيات وحمته سواعد المخلصين. وحين تقع العين على راية مؤتة، فإن الشعور يأخذ بعدًا آخر؛ بعدًا يمتزج فيه عبق الشهداء بروح العلم، وتلتقي فيه ذاكرة التاريخ مع رسالة الحاضر.
ففي مؤتة لا يقف المرء أمام اسم عابر أو مؤسسة أكاديمية فحسب، بل أمام عنوان من عناوين المجد الأردني والعربي والإسلامي. اسمٌ ارتبط بمعركة خالدة أثبتت أن قلة العدد لا تعني قلة العزيمة، وأن الرجال العظام يكتبون التاريخ حين يؤمنون بقضيتهم ويثبتون على مبادئهم.
إن راية الوطن تمنحنا شعور الأمان والسيادة والانتماء، أما راية مؤتة فتوقظ فينا معاني التضحية والفداء والوفاء لمن سبقونا على دروب المجد. وبين الرايتين تمتد حكاية وطنٍ عرف كيف يصنع من المحن قوة، ومن التحديات فرصًا، ومن التاريخ منارة تهدي الأجيال.
ولأن الأمم العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، فقد جاءت مؤتة الحديثة لتجسد امتدادًا طبيعيًا لذلك الإرث العظيم؛ فالعلم هنا ليس مجرد تحصيل معرفي، بل رسالة بناء ووعي ومسؤولية. وما أحوج الأوطان إلى مؤسسات تزرع في أبنائها قيم الانتماء بقدر ما تمنحهم المعرفة.
وفي زمن تتغير فيه المفاهيم وتتبدل الأولويات، تبقى الرايات الحقيقية هي تلك التي تجمع الناس حول القيم الكبرى؛ حول الوطن، والكرامة، والعلم، والتضحية. فلا قيمة لعلمٍ بلا انتماء، ولا معنى لانتماءٍ لا يسنده وعي ومعرفة.
إن الوقوف بين راية الوطن وراية مؤتة يشبه الوقوف بين فصلين من كتاب واحد؛ الأول كُتب بدماء الشهداء الذين صنعوا المجد، والثاني يُكتب بعقول الشباب الذين يحملون رسالة المستقبل. وما أجمل أن يلتقي الدم الذي روى الأرض بالقلم الذي يبني الإنسان.
هكذا تبقى راية الوطن عنوان العزة والسيادة، وتبقى راية مؤتة عنوان الوفاء للتاريخ والشهداء، وبينهما يولد ذلك الشعور النبيل الذي يجعل الإنسان أكثر حبًا لوطنه، وأكثر إيمانًا بأن الأمم التي تحفظ تاريخها وتحترم تضحيات أبنائها هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها.
فبين علم الوطن وراية مؤتة، لا نرى لونين يرفرفان في الهواء، بل نرى قصة وطن، ورائحة شهداء، ورسالة علم، ومجدًا ما زال يكتب فصوله جيلاً بعد جيل.