الدولة لا تُدار بردود الأفعال… بل بالمؤسسات
م. عبدالله أمجد أبوزيد
08-07-2026 10:06 AM
في أسبوعٍ واحد، شهدنا طلب رئيس الوزراء استقالة وزير العمل بسبب تضارب مصالح، وقرار إغلاق حديقة السوسنة السوداء نتيجة مخالفات تنظيمية. قد تبدو القضيتان منفصلتين، لكنهما في الحقيقة تعكسان أزمة واحدة: أزمة الإدارة العامة في الأردن.
المشكلة ليست أن يُخطئ مسؤول، فكل الأنظمة الإدارية في العالم معرضة للخطأ، وإنما المشكلة أن يصبح اكتشاف الخطأ متأخرًا، وأن تتحول المحاسبة إلى رد فعل بعد أن تصل القضية إلى الرأي العام، لا إلى نتيجة طبيعية لمنظومة رقابة وتقييم تعمل بصمت وكفاءة.
الدولة التي تمتلك مؤسسات قوية لا تنتظر الفضائح لتتحرك، ولا تنتظر ضغط الإعلام أو الرأي العام لتطبق القانون، لأن القانون فيها يعمل بصورة تلقائية، والمؤسسات تمتلك القدرة على اكتشاف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.
وهنا يكمن الفرق بين إدارة الدولة، وإدارة الأزمات.
الديمقراطية الاجتماعية التي ننتمي إليها لا تختزل الإصلاح في صناديق الاقتراع، ولا تعتبر العدالة الاجتماعية مجرد زيادة في الرواتب أو تحسينًا للخدمات، بل ترى أن الإدارة العامة هي قلب الدولة النابض. فلا عدالة دون مؤسسات قوية، ولا تنمية دون إدارة كفؤة، ولا استثمار دون جهاز حكومي سريع، شفاف، وخاضع للمساءلة.
لقد أمضى الأردن سنوات طويلة وهو يتحدث عن الإصلاح الإداري، بينما بقيت البيروقراطية تتضخم، وتداخل الصلاحيات يزداد، ومؤشرات الأداء الحقيقية غائبة، حتى أصبح الإنجاز في كثير من الأحيان يعتمد على اجتهاد الأشخاص لا على كفاءة المؤسسات.
ولهذا فإن إقالة مسؤول، مهما كان موقعه، لا ينبغي أن تكون نهاية القصة، بل بدايتها.
فبعد الإقالة تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل ستُستكمل إجراءات المساءلة وفق القانون إن ثبت وجود تجاوز؟ أم ستتحول الإقالة إلى عنوان إعلامي يطوي الملف سياسيًا وإداريًا؟
ومن سيتحمل مسؤولية الخلل المؤسسي الذي سمح بحدوثه أصلًا؟
وهل لدينا أصلًا منظومة تقييم أداء تجعل المسؤول يُحاسب قبل أن تتفاقم الأخطاء؟
إن الدولة الحديثة لا تكتفي بإعفاء المسؤول، بل تراجع القرار، وتراجع المؤسسة، وتراجع آليات الرقابة، حتى لا يتكرر الخطأ مرة أخرى.
وفي المقابل، تابعنا في العراق سلسلة من الإجراءات الحكومية التي حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن محاربة الفساد ليست شعارًا يُرفع، بل قرار دولة. وقد يختلف الناس في تقييم تفاصيل تلك الإجراءات أو نتائجها، لكن أحدًا لا يستطيع إنكار أن الرسالة كانت صريحة: لا حصانة لمن يسيء استخدام المنصب العام، ولا قدسية لأي مسؤول عندما يتعلق الأمر بالمال العام أو ثقة المواطنين بالدولة.
أما نحن، فلا نحتاج إلى استنساخ تجربة أي دولة، بل نحتاج إلى ثورتنا الإدارية الأردنية.
ثورة على الفساد، نعم.
لكن أيضًا ثورة على الترهل الإداري.
وثورة على البيروقراطية التي تحولت إلى عبء على المواطن والمستثمر.
وثورة على غياب المسؤولية الفردية داخل المؤسسات.
وثورة على ثقافة بقاء المسؤول في موقعه دون مؤشرات أداء واضحة أو تقييم حقيقي.
لقد آن الأوان لأن يكون لكل وزير، ولكل أمين عام، ولكل مدير مؤسسة، برنامج عمل معلن، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، تُنشر نتائجها للرأي العام بصورة دورية، ويُحاسب على أساسها، لا على أساس الانطباعات أو العلاقات أو المزاج السياسي.
كما آن الأوان لأن تصبح عملية اختيار الوزراء وكبار المسؤولين أكثر شفافية ووضوحًا، قائمة على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، لا على الاعتبارات التقليدية وحدها. فمن حق المواطنين أن يعرفوا لماذا اختير هذا المسؤول، وما الأهداف التي كُلّف بتحقيقها، ومن حقهم أيضًا أن يعرفوا لماذا غادر موقعه عندما يُعزل أو يُقال. فالمكاشفة ليست ترفًا سياسيًا، بل ركن أساسي من أركان الحكم الرشيد، لأنها تعزز ثقة الناس بالدولة، وتحمي سمعة المؤسسات، وتؤكد أن المنصب العام ليس امتيازًا شخصيًا، وإنما مسؤولية عامة.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأسماء، بل بتغيير القواعد.
ولا يبدأ بإقالة وزير، بل ببناء نظام مؤسسي يجعل الجميع خاضعين للمساءلة، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول.
هذا هو جوهر الديمقراطية الاجتماعية؛ دولة قوية بمؤسساتها لا بأفرادها، عادلة في محاسبتها، شفافة في قراراتها، وكفؤة في إدارتها. دولة لا تنتظر وقوع الخطأ لتتحرك، بل تمنع وقوعه أصلًا.
وعندما نصل إلى هذه المرحلة، لن تكون الإقالات خبرًا استثنائيًا، بل ستكون المساءلة ممارسة طبيعية، وسيصبح النجاح في المنصب العام مرتبطًا بالإنجاز لا بالبقاء، وبثقة المواطنين لا بطول مدة الخدمة.