facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يضيق القلب بفضل الله


د. عبدالحفيظ العجلوني
08-07-2026 11:31 AM

حين يضيق القلب بفضل الله، تتبدى إحدى أشد صور الفقر الإنساني؛ فما أقسى نفسًا يؤلمها أن ترى نعمةً ساقها الله إلى غيرها، أو يداخلها السرور حين ترى عثرةً أصابت سواها. وليس الحسد في جوهره مجرد ضيقٍ بتفوق الآخرين، بل هو اضطرابٌ عميق في فهم قسمة الله وعدله؛ إذ ينظر الحاسد إلى نعمة أخيه بعين النقص لا بعين الرضا، فيتوهم أن ما وصل إلى غيره قد اقتُطع من نصيبه، وأن رفعة الآخرين لا بد أن تكون على حساب مكانته. ولو اتسع هذا القلب لمعاني فضل الله، لأدرك أن عطاء الخالق لا يزاحم عطاءً، وأن أبواب كرمه لا تضيق بكثرة الطارقين.

لقد كانت النفوس النبيلة إذا رأت فضل الله ظاهرًا على إنسان بادرت إلى الدعاء فقالت: “بارك الله له وزاده من فضله”، وإذا أبصرت نجاحًا استبشرت به، وإذا نزل البلاء بأحد أسرعت إليه بالمواساة قبل أن تنشغل بتتبع الأسباب والملابسات. أما حين تضعف المروءة وتضيق النفوس، فإن الموازين تنقلب؛ فيصبح نجاح الإنسان موضع ريبة، وتتحول النعمة إلى سؤالٍ واستجواب، قبل أن تكون مناسبة للتهنئة والفرح.

فما إن يفتح الله على عبدٍ بابًا من أبواب رزقه، أو يوفقه في ميدان عمله، أو يرفعه في منزلته، حتى تنطلق بعض الألسنة لا بحثًا عن أسباب التميز، بل عن منافذ الشك وصناعة الظنون: من أين له هذا؟ وكيف بلغ ما بلغ؟ ومن يقف وراء هذا الصعود؟ وكأن هؤلاء قد نُصِّبوا قضاةً على نيات الخلق، يفتشون في السرائر، ويحاكمون الضمائر، ويصدرون الأحكام فيما لا يملكون علمه ولا سلطانًا عليه.

وما أقسى أن يتحول الإنسان من متأملٍ شاكر لفضل الله إلى رقيبٍ ساخط على أرزاق عباده، ومن قلبٍ يرى النعمة آيةً من آيات الله إلى نفسٍ تراها سببًا للضيق والاعتراض. فالذي يستغرق عمره في تتبع ما في أيدي الناس، يحرم نفسه من نعمة النظر إلى ما بين يديه؛ فلا يرى ما أُعطي، ولا يشكر ما لديه، لأنه مشغول بما وصل إلى غيره.

ثم إذا دارت الأيام، وتبدلت الأحوال، ونزلت المحنة بمن كان بالأمس موضع حسد، ظهرت آفة أخرى لا تقل قسوة: الشماتة. فتسبق الكلمات الجارحة مشاعر الرحمة، وتتعالى العبارات: “يستحق”، و”هذا جزاء ما صنع”، و”لا بد أن وراء الأمر سببًا خفيًا”. وكأن أولئك قد كُشف لهم الحجاب، وعُرف لهم ما خفي، ونُصِّبوا حكامًا على سرائر الناس، يحكمون على عباد الله بما لم يعلموا.

ولو تأملوا بعين الحكمة، لأدركوا أن أقدار الله أوسع من أن تُختزل في ظنون البشر، وأن البلاء ليس دائمًا عقوبة، كما أن النعمة ليست دائمًا علامة رضا. فقد يكون البلاء بابًا خفيًا للرفعة، وقد تكون النعمة امتحانًا دقيقًا لا يشعر به صاحبها. فليس كل مبتلى مهانًا، ولا كل منعَّم مكرَّمًا، وإنما العبرة بما يستقر في القلب من صبرٍ ورضا وشكر.

إن النفوس المطمئنة لا تضيق بنجاح الآخرين؛ لأنها توقن أن فضل الله لا يخضع لحسابات البشر، ولا تحده مقاييس النقص والزيادة. فإذا فتح الله لعبدٍ بابًا من الرزق، لم يُغلق بذلك بابًا عن غيره، وإذا أشرق نور النعمة في بيت قريب، لم ينطفئ المصباح في بيتك.

ففضل الله ليس غنيمةً محدودة يتقاسمها الناس في شح، ولا موردًا ينقص كلما كثر الآخذون منه، وإنما هو عطاء واسع لا تغيضه كثرة العطايا، ولا تنقصه وفرة المواهب. وإذا كانت أيدي البشر تخشى النقص حين تعطي، فإن خزائن الله لا تنفد بالعطاء، ولا يضيق فضله بمن شملتهم رحمته.

ولكن القلب الضيق هو الذي يصنع الوهم؛ فيظن أن نجاح غيره خسارة له، وأن ارتفاع الآخرين انتقاص من قدره، وأن النعمة إذا نزلت في بيت سواه فقد فاتته. ولو أبصر الحقيقة كما هي، لعلم أن الله يوزع فضله بحكمة، وأن لكل إنسان رزقه الذي كتبه الله له، وأن ما قُدِّر لك لن يأخذه غيرك.

ومن أعظم أسباب انتشار الحسد في زماننا أن الإنسان أصبح أسير المقارنات، ولا سيما في زمن المنصات الرقمية التي تعرض للناس الواجهة المضيئة وتخفي ما وراءها من تعب ومعاناة. يرى لحظة النجاح ولا يرى سنوات الكفاح، يرى الابتسامة ولا يرى ما خلفها من صبر وألم. ثم يقارن صفحةً مختارة من حياة غيره بكتاب حياته كله، فيظلم نفسه قبل أن يظلم الآخرين.

وحين تستولي المقارنة على القلب، يذبل الامتنان، ويغيب الشعور بالنعم الحاضرة؛ فيصبح الإنسان لا يرى ما لديه لانشغاله بما لدى غيره، ولا يتذوق عطايا الله التي تحيط به لأنه يلاحق عطايا الآخرين.

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس قلة المال وحدها، بل قلة الرحمة وضعف المروءة وسوء ظن القلوب. فالمجتمع الذي يضيق أبناؤه بنجاح بعضهم، ويفرحون بسقوط بعضهم، لا يخسر المحبة فحسب، بل يخسر القوة التي تصنعها الثقة والتعاون.

فالأمم لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالقلوب التي تحملها. وقد يكون مجتمع قليل الموارد لكنه غني بالأخلاق، فينهض ويزدهر، وقد يكون مجتمع كثير المال لكنه فقير في الرحمة وسلامة الصدر، فيتآكل من داخله.

وما أحوجنا إلى إصلاح ما بيننا وبين الله، وما بيننا وبين الناس؛ أن نفرح لنعمة أخينا، وأن نواسي مبتلانا، وأن نترك الحكم على السرائر لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فالكلمة الطيبة حياة، والدعاء للآخرين بركة، وسلامة الصدر نعمة لا يعدلها كثير من متاع الدنيا.

فأجمل القلوب ليست تلك التي لا ترى نجاح الآخرين، بل تلك التي تراه فتقول بصدق: “اللهم بارك له وزده من فضلك”. وليست تلك التي تغفل عن البلاء، بل تلك التي تراه فتقول برحمة: “اللهم لطفك ورحمتك”.

ذلك هو القلب الحي الذي نجا من أسر الحسد، وتحرر من مرارة الشماتة، وعاش مطمئنًا؛ لأنه أدرك أن فضل الله بحرٌ لا تغيضه الدلاء، وأن رحمته شمسٌ لا ينقص إشراقها أنها تفيض بنورها على الجميع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :