عام يعيد فيه الأردن تعريف مكانه في العالم
د. صفاء الحمايدة
08-07-2026 05:02 PM
* «المكانة التي تُبنى بالخطابة تتبخر مع أول اختبار، أما المكانة التي تُبنى مشروعاً بعد مشروع… فهي وحدها التي تصمد حين تشتد الرياح»
ليست كل الدول تملك ترف اختيار لحظتها التاريخية. أغلبها تُفاجَأ بها، فتُدار على عجل، وتُروى لاحقاً كمعجزة أو كارثة بحسب من ينتصر في النهاية. لكن ثمة دولاً قليلة تصنع لحظتها بيدها، قبل أن تفرضها الظروف عليها. والأردن، في 2026، يبدو أقرب إلى هذا الصنف النادر: أحد عشر مليار دينار تنتقل هذا العام من الورق إلى الأرض، لا بوصفها حزمة مشاريع، بل بوصفها إعلاناً هادئاً عن انتقال في فلسفة الدولة نفسها — من إدارة الأزمة التي فرضتها بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، إلى هندسة المكانة في شرق أوسط تُعاد فيه صياغة موازين القوة وأدوات النفوذ.
اعتاد كثيرون النظر إلى الأردن من زاوية تحدياته: محدودية الموارد، وضغوط اللجوء، وحساسية الموقع بين ساحات نزاع متعددة. لكن السؤال الأجدر بالطرح ليس ما يواجهه الأردن، بل ماذا فعل بما يواجهه؟ فالدول لا تعيد تعريف أدوارها بقرار سياسي مفاجئ، بل عبر تراكم طويل من بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار، ثم الانتقال، في اللحظة المناسبة، من الدفاع عن المكتسبات إلى الاستثمار فيها. وهذا بالضبط ما يبدو أن الأردن اختاره هذا العام.
خذ الماء مثالاً، لأنه الاختبار الأصعب والأصدق. من يتذكر مشروع "ناقل البحرين" — ذلك الحلم القديم لربط الأحمر بالميت عبر شراكة ثلاثية مع فلسطين وإسرائيل، والذي تعثر لسنوات لأنه ارتهن لتوافق سياسي هش — يدرك الفارق مع "الناقل الوطني للمياه" الذي يقترب الأردن من إغلاقه المالي هذا الشهر بكلفة 5.8 مليار دولار. هذه المرة، القرار أردني خالص: ثلاثمئة مليون متر مكعب من مياه العقبة المحلاة، تسري كشريان جديد عبر 450 كيلومتراً حتى تبلغ عمّان، رافعةً حصة الفرد من 61 متراً مكعباً إلى 110 أمتار. الدرس هنا ليس الرقم، بل ما وراءه: أن الأردن تعلّم من عقدين من الانتظار العبثي أن الحلول التي ترتهن لإجماع الآخرين قد لا تُولد أبداً.
وينسحب المنطق نفسه على الطاقة والجغرافيا معاً. فالحدود التي كانت، طوال القرن الماضي، تُقاس بقدرتها على الحماية فحسب، أصبحت اليوم تُقاس أيضاً بقدرتها على الربط. ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى مشروع السكك الحديدية، وتطوير ميناء العقبة، وتوسع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، بوصفها مشروعات متفرقة، بل بوصفها محاولة واحدة لتحويل الموقع الأردني من معبر إلى مركز. العقبة، التي عرفها الأردنيون طويلاً كميناء هادئ في أقصى الجنوب، تتحول أمام أعيننا إلى نقطة ثقل توازي العاصمة، في وقتٍ تهتز فيه ممرات ملاحية إقليمية أخرى بلا استقرار يُذكر.
لكن الإنصاف يقتضي ألا يُقرأ هذا المسار بوصفه انتصاراً مضموناً سلفاً. فمشاريع بهذا الحجم تحمل مخاطرها: تمويل يمتد التزامه لعقود، وتوازن دقيق بين طموح التنمية وانضباط الدين العام، واعتماد جزئي على سخاء شركاء دوليين قد تتبدل أولوياتهم مع أي تحول عالمي. وهذا بالضبط ما يمنح التجربة الأردنية مصداقيتها: أنها لا تُقدَّم كوصفة سحرية بلا ثمن، بل كرهان محسوب، تدرك الدولة كلفته قبل أن تُقدم عليه.
ومن يتابع خرائط الاستثمار في المنطقة هذه الأيام، يلحظ مفارقة تستحق التسجيل: بينما تتردد رؤوس الأموال في الدخول إلى أسواق إقليمية أكثر اضطراباً، يواصل الأردن استقطاب تمويل تنموي متعدد الأطراف بثبات لافت. والثقة الدولية، في نهاية المطاف، لا تُمنح لمن يهدأ فحسب، بل لمن يثبت أنه يخطط وينفذ في آنٍ معاً. الأردن يقف عند ملتقى الخليج وبلاد الشام والعراق والبحر الأحمر، ويحظى بعلاقات مستقرة مع معظم العواصم العربية — وهذه ليست حقائق جغرافية باردة، بل عناصر قوة كامنة، أشبه بمعدن خام لا يكتسب قيمته إلا حين يُصهر بيد ماهرة. والفلسفة الهاشمية القائمة على التوازن والاعتدال، وبناء الجسور بين المتباعدين، هي بالضبط تلك اليد الماهرة التي حوّلت موقعاً جغرافياً حساساً إلى رصيد من المصداقية يصعب بناؤه في زمن قصير.
وهذا ما يفسر التبدّل في مفردات الخطاب الرسمي نفسه. فبعد سنوات طويلة من الحديث عن "الصمود" الأردني وسط عواصف الإقليم، بدأت لغة الدولة تنحاز إلى "البناء" و"التنفيذ" — فرق دقيق في المفردة، جوهري في صناعة الثقة. الصمود يحافظ على ما هو قائم. البناء يخلق ما لم يكن موجوداً من الأساس.
وبعيداً عن لغة المليارات والاستراتيجيات، ثمة رقم يلامس كل بيت أردني مباشرة: مليون فرصة عمل خلال عشر سنوات. فكل مشروع من هذه المشاريع — الماء والطاقة والنقل — ليس غاية في ذاته، بل أداة لخلق فرصة حقيقية لأبناء الوطن. وهذا هو المعيار الذي ستُقاس به هذه المرحلة في نهاية المطاف: ليس فقط هل تغيّرت مكانة الأردن في خرائط النفوذ الإقليمي، بل هل تحسّنت حياة من يعيش داخل هذه الخرائط.
فالدول التي تكتفي بالتكيف مع التحولات تصل غالباً متأخرة، تلهث خلف قطار غادر المحطة. أما الدول التي تستعد للتحول قبل اكتمال ملامحه، فهي وحدها التي تمتلك فرصة المشاركة في صياغته لا مجرد اللحاق به.
من الآخر
الأردن، في نهاية المطاف، لا يطلب من العالم أن يصدّق وعوده. يطلب منه فقط أن يراقب تنفيذه. فالمكانة التي تُبنى بالخطابة تتبخر مع أول اختبار، أما المكانة التي تُبنى مشروعاً بعد مشروع، أنبوباً بعد أنبوب، وكيلومتر سكة حديد بعد كيلومتر، فهي وحدها التي تصمد حين تشتد الرياح. وهذا هو الفارق الحقيقي بين دولة تستجدي مكانتها بالكلام، ودولة تفرضها بالإنجاز.
* كاتبة وباحثة في العلاقات الدولية والدبلوماسية الاقتصادية، مقيمة في باريس