facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ضجيج المدرجات .. وصمت المنابر


عماد عواودة
08-07-2026 09:37 PM

منذ بضع سنين ، وأنا أجتهد في العمل الثقافي ، أبحث عن نافذة يدخل منها الضوء إلى العقول ، وأحاول أن أجمع حول الكلمة الطيبة جمهوراً يؤمن بأن الوعي ليس شيئاً من الكماليات ، بقدر ما هو ضرورة من ضرورات الحياة ؛ نتعب في الإعداد لمحاضرة أو ندوة ، أو أمسية ثقافية ، أو لقاء يناقش شأناً من شؤون المجتمع ، فنختار المكان بعناية ، والزمان الذي يناسب الناس ، ونتجنب مواسم الانشغال والضجيج ، ثم نبث تلك الفعاليات عبر وسائل التواصل علّها تصل إلى من لم يستطع الحضور ؛ ومع ذلك ، تكون الحصيلة في كثير من الأحيان عدداً قليلاً من المهتمين ، وكأن المعرفة لا تزال تقف في آخر سلم الأولويات.

لكن المشهد يتغير تماماً حين يتعلق الأمر بانتخابات بلدية أو برلمانية ، أو بمباراة لكرة القدم ؛ هنا تتبدل الوجوه ، وتمتلئ الساحات ، وتضج المجالس بالتحليلات ، وتشتعل وسائل التواصل بالنقاشات ، وكأن المجتمع قد وجد أخيراً ما يستحق أن يمنحه وقته كله.

واللافت أن كثيرين ممن يحدثونك عن الانتخابات يبدون في البداية غير مكترثين بمن ينجح ومن يخسر ، وكذلك قد يرددون أن البرلمانات في عالمنا الثالث لا تغير كثيراً من الواقع ، وأن النتائج معروفة سلفاً ؛ غير أن المشهد على الأرض يقول شيئاً آخر ؛ فالمهرجانات الانتخابية تغص بالحشود ، وتعلو فيها الأصوات ، وتستيقظ العصبيات ، وتُستدعى الولاءات الضيقة ، ويغدو الانتصار لشخص أو قائمة قضية تستحق السهر والجدل والخصومة .

والحال ذاته يتكرر في كرة القدم ؛ مباراة تنتهي بصافرة حكم ، ثم لا يبقى منها إلا ذكرى عابرة ، لكنها قبل ذلك تستنزف الأعصاب ، وتوقظ التعصب ، وتكشف أحياناً عن نعرات كانت كامنة تحت السطح ؛ وبعد كل مباراة ، يظهر المحللون والمعلقون والنقاد ، فيفصلون دقائقها تفصيلاً ، ويختلفون في قراءة كل لقطة ، وتتنافس وسائل الإعلام على استضافة الخبراء ، وكأن مصير الأمم قد توقف على هدف ضائع أو ركلة جزاء .

وليس المقصود من هذا كله التقليل من شأن الرياضة ، فهي لون من ألوان الحياة ، ولا من المشاركة السياسية ، فهي حق وواجب إذا قامت على الوعي والمسؤولية ؛ وإنما السؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا تتدفق طاقاتنا بهذا السخاء نحو ما يثير الانفعال ، بينما نبخل بها على ما يبني الإنسان؟ ، ولماذا نجد آلاف المتابعين لما ينتهي أثره بانتهاء المناسبة ، في حين تبقى الفكرة الجادة تبحث عمن يصغي إليها ؟ .

إن المجتمعات لا تُبنى بالحماس وحده ، وإنما تُبنى حين يصبح للعقل نصيب من ذلك الحماس ، وللكتاب من الاهتمام مثل ما للمدرج ، وللمنصة الثقافية من الحضور مثل ما للمهرجان الانتخابي ؛ فحين يتوازن الانفعال مع الوعي ، تتحول الجماهير من مجرد متلقية للأحداث إلى صانعة لها .

ويبقى الفارق بين الغث والنافع أن الغث يملأ الضجيج ثم ينطفئ ، أما النافع فيبدأ هادئاً ، لكنه يظل يضيء العقول طويلاً ؛ وما يترك أثراً في الإنسان ليس ما يرفع صوته ساعة ، بقدر ما يرفع وعيه عمراً .

الأمم لا ترتقي بكثرة من يصفقون في المدرجات ، ولا بكثرة من يهتفون في المهرجانات ، وإنما بكثرة من يجلسون في هدوء إلى فكرةٍ صادقة ، فيحملونها من مجلسٍ صغير إلى واقعٍ كبير ، فذلك هو الفرق بين ضجيجٍ يمر ، وأثرٍ يبقى .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :