ضجيج المدرجات .. وصمت المنابر
عماد عواودة
08-07-2026 09:37 PM
منذ بضع سنين ، وأنا أجتهد في العمل الثقافي ، أبحث عن نافذة يدخل منها الضوء إلى العقول ، وأحاول أن أجمع حول الكلمة الطيبة جمهوراً يؤمن بأن الوعي ليس شيئاً من الكماليات ، بقدر ما هو ضرورة من ضرورات الحياة ؛ نتعب في الإعداد لمحاضرة أو ندوة ، أو أمسية ثقافية ، أو لقاء يناقش شأناً من شؤون المجتمع ، فنختار المكان بعناية ، والزمان الذي يناسب الناس ، ونتجنب مواسم الانشغال والضجيج ، ثم نبث تلك الفعاليات عبر وسائل التواصل علّها تصل إلى من لم يستطع الحضور ؛ ومع ذلك ، تكون الحصيلة في كثير من الأحيان عدداً قليلاً من المهتمين ، وكأن المعرفة لا تزال تقف في آخر سلم الأولويات.
لكن المشهد يتغير تماماً حين يتعلق الأمر بانتخابات بلدية أو برلمانية ، أو بمباراة لكرة القدم ؛ هنا تتبدل الوجوه ، وتمتلئ الساحات ، وتضج المجالس بالتحليلات ، وتشتعل وسائل التواصل بالنقاشات ، وكأن المجتمع قد وجد أخيراً ما يستحق أن يمنحه وقته كله.
واللافت أن كثيرين ممن يحدثونك عن الانتخابات يبدون في البداية غير مكترثين بمن ينجح ومن يخسر ، وكذلك قد يرددون أن البرلمانات في عالمنا الثالث لا تغير كثيراً من الواقع ، وأن النتائج معروفة سلفاً ؛ غير أن المشهد على الأرض يقول شيئاً آخر ؛ فالمهرجانات الانتخابية تغص بالحشود ، وتعلو فيها الأصوات ، وتستيقظ العصبيات ، وتُستدعى الولاءات الضيقة ، ويغدو الانتصار لشخص أو قائمة قضية تستحق السهر والجدل والخصومة .
والحال ذاته يتكرر في كرة القدم ؛ مباراة تنتهي بصافرة حكم ، ثم لا يبقى منها إلا ذكرى عابرة ، لكنها قبل ذلك تستنزف الأعصاب ، وتوقظ التعصب ، وتكشف أحياناً عن نعرات كانت كامنة تحت السطح ؛ وبعد كل مباراة ، يظهر المحللون والمعلقون والنقاد ، فيفصلون دقائقها تفصيلاً ، ويختلفون في قراءة كل لقطة ، وتتنافس وسائل الإعلام على استضافة الخبراء ، وكأن مصير الأمم قد توقف على هدف ضائع أو ركلة جزاء .
وليس المقصود من هذا كله التقليل من شأن الرياضة ، فهي لون من ألوان الحياة ، ولا من المشاركة السياسية ، فهي حق وواجب إذا قامت على الوعي والمسؤولية ؛ وإنما السؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا تتدفق طاقاتنا بهذا السخاء نحو ما يثير الانفعال ، بينما نبخل بها على ما يبني الإنسان؟ ، ولماذا نجد آلاف المتابعين لما ينتهي أثره بانتهاء المناسبة ، في حين تبقى الفكرة الجادة تبحث عمن يصغي إليها ؟ .
إن المجتمعات لا تُبنى بالحماس وحده ، وإنما تُبنى حين يصبح للعقل نصيب من ذلك الحماس ، وللكتاب من الاهتمام مثل ما للمدرج ، وللمنصة الثقافية من الحضور مثل ما للمهرجان الانتخابي ؛ فحين يتوازن الانفعال مع الوعي ، تتحول الجماهير من مجرد متلقية للأحداث إلى صانعة لها .
ويبقى الفارق بين الغث والنافع أن الغث يملأ الضجيج ثم ينطفئ ، أما النافع فيبدأ هادئاً ، لكنه يظل يضيء العقول طويلاً ؛ وما يترك أثراً في الإنسان ليس ما يرفع صوته ساعة ، بقدر ما يرفع وعيه عمراً .
الأمم لا ترتقي بكثرة من يصفقون في المدرجات ، ولا بكثرة من يهتفون في المهرجانات ، وإنما بكثرة من يجلسون في هدوء إلى فكرةٍ صادقة ، فيحملونها من مجلسٍ صغير إلى واقعٍ كبير ، فذلك هو الفرق بين ضجيجٍ يمر ، وأثرٍ يبقى .