السردية الوطنية كما أرادها الملك… ودور الإعلام
د. أشرف الراعي
01-07-2026 11:31 PM
لأسباب تتصل بجغرافية وطبيعة الدولة الأردنية، وتاريخها السياسي، وثقلها السياسي في الإقليم، كانت السردية الأردنية وما تزال، جزءاً من معركة الوعي، ومن أدوات حماية الدولة، وصون صورتها ومنجزاتها في الداخل والخارج.
خلال السنوات الأخيرة، تعرضت هذه السردية لاختبارات قاسية. أزمات اقتصادية، وتحولات إقليمية، وضغوط سياسية، وحروب معلوماتية، ومنصات مفتوحة لا تعرف ضوابط مهنية ولا حدوداً أخلاقية. في مثل هذا المناخ، يصبح السؤال عن أهمية إعادة طرح الرواية الأردنية. من يرويها ولماذا في هذا الوقت وما هو دور الدولة في دعمها؟
في رؤى جلالة الملك عبد الله الثاني، تبدو السردية الأردنية أكثر وضوحاً واتساقاً. دولة تقوم على الشرعية الدستورية، والاعتدال، وسيادة القانون، والإصلاح المتدرج، وحماية الإنسان، والانفتاح على العالم دون التفريط بالهوية الوطنية. وهذه ليست عناوين عامة، بل ملامح مشروع سياسي وفكري عبرت عنه بشكل واضح الأوراق النقاشية الملكية.
الأوراق النقاشية تمثل دعوة صريحة إلى تعميق الحياة السياسية، وتعزيز المواطنة الفاعلة، وبناء ديمقراطية ناضجة، وتكريس ثقافة الحوار، واحترام الرأي الآخر، وربط الحقوق بالواجبات. وقدمت، في جوهرها، تصوراً للدولة التي يريدها الملك: دولة مؤسسات لا أفراد، وقانون لا مزاج، ومشاركة لا عزوف، ومسؤولية لا شكوى دائمة.
مثل هذه الرؤية تحتاج إلى إعلام حقيقي يحملها، ويفسرها، ويناقشها، ويقربها من الناس. فالإعلام ليس ناقلاً محايداً للأخبار فقط، بل شريك في بناء المجال العام. وإذا غاب الإعلام المهني، تقدمت الفوضى. وإذا انسحب الصحفي الحقيقي، حضر الناشط الغاضب، والمجهول المحرض، وصانع الإشاعة، وتاجر الترند.
ما نحتاجه اليوم هو عودة الإعلام الحقيقي. الإعلام الذي يسأل ولا يحرض. ينتقد ولا يهدم. يكشف الخلل ولا يزور الحقائق. ينحاز للوطن دون أن يتحول إلى بوق. ويدافع عن الدولة دون أن يغلق عينيه عن الأخطاء. فالدولة القوية لا تخاف الإعلام المهني، والإعلام الوطني لا يطعن دولته من الخلف باسم الحرية.
ثمة حاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لأخلاقيات العمل الصحفي والإعلامي. لم يعد مقبولاً أن تتحول المنصات إلى ساحات تشهير، أو أن يصبح السبق الصحفي مبرراً لنشر المعلومة غير الدقيقة، أو أن تختلط الصحافة بالابتزاز، والتحليل بالشتيمة، والرأي بالتحريض. فالحرية لا تعني الفوضى، والنقد لا يعني الإساءة، والمعارضة لا تعني هدم الثقة العامة.
السردية الأردنية بحاجة إلى صحفيين يعرفون معنى الدولة، ويفهمون حساسية الموقع الأردني، ويدركون أن الكلمة تحمي وطناً. بحاجة إلى إعلام يشرح للناس لا أن يستفزهم، ويضيء الطريق لا أن يزيد العتمة، ويعيد بناء الثقة لا أن يتاجر بالإحباط.
الأردن يمتلك قصة تستحق أن تُروى. قصة دولة صمدت في إقليم مشتعل، وحافظت على توازنها وسط العواصف، ودفعت أثماناً كبيرة دفاعاً عن أمنها واستقرارها. لكن هذه القصة لا تكفي وحدها. ينبغي أن تجد من يرويها بصدق، وبمهنية، وبجرأة مسؤولة.
في النهاية، ليست السردية الأردنية مجرد خطاب رسمي. إنها ذاكرة وطن، وتجربة دولة، ومشروع مستقبل. وإذا كانت رؤى الملك قد رسمت الإطار العام لهذه السردية، فإن مسؤولية الإعلام أن يحولها إلى وعي عام، لا إلى شعارات موسمية. فالأردن لا يحتاج إلى إعلام يصفق فقط، ولا إلى إعلام يهدم فقط. يحتاج إلى إعلام حقيقي، ومهني، وأخلاقي، ووطني، يعرف أن حماية الحقيقة هي أول أشكال حماية الدولة.