facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تبدأ المؤشرات بالابتسام


د. يوسف منصور
02-07-2026 12:44 AM

في الاقتصاد، ليست كل الأرقام متساوية. فقد يحمل رقم صغير رسالة كبيرة، وقد يخفي رقم كبير وراءه واقعاً أقل إشراقاً. لذلك، فإن قراءة معدل النمو الاقتصادي لا تبدأ بالسؤال: كم بلغ؟ وإنما تبدأ بالسؤال الأهم: كيف تحقق؟ وفي أي ظروف تحقق؟

ولهذا السبب، فإن النمو الحقيقي الذي سجله الاقتصاد الأردني خلال الربع الأول من عام 2026 والبالغ 2.9% يستحق اهتماماً خاصاً. ليس لأنه الأعلى في تاريخ الاقتصاد الأردني، وإنما لأنه تحقق في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة. فبينما كانت المنطقة تواجه تداعيات الحرب في غزة، وتعاني من استمرار التوترات الجيوسياسية، واضطرابات التجارة والنقل والسياحة، استطاع معدل نمو الاقتصاد الأردني أن يحافظ على مسار تصاعدي، وأن يحقق واحداً من أفضل معدلات النمو في السنوات الأخيرة.

بل إن العودة إلى بيانات الربع الأول منذ عام 2010 تظهر أن الاقتصاد الأردني لم يسجل معدل نمو أعلى من هذا المستوى إلا في الربع الأول من ثلاث سنوات فقط: 2012 و2014 و2023، ولكل معدل منها ظروفه الاستثنائية.

ففي عام 2012، أدى تدفق اللاجئين السوريين إلى زيادة سريعة في عدد السكان، وارتفاع الطلب على الإسكان والسلع والخدمات والبنية التحتية، وتدفق المساعدات الدولية، الى حدوث دفعة قوية للنشاط الاقتصادي، رغم ما فرضته الظروف من أعباء مالية واجتماعية كبيرة على الدولة.

أما عام 2014، فقد جاء النمو في ظل سياسة مالية توسعية وارتفاع ملموس في الإنفاق الحكومي والاقتراض لتمويل متطلبات الاقتصاد، بما فيها مواجهة أزمة الطاقة وتكاليف استضافة اللاجئين، وهو ما حفز النشاط الاقتصادي، رغم ما رافقه من ارتفاع في مستويات الدين العام.

وفي عام 2023، كان الاقتصاد يجني ثمار التعافي من جائحة كورونا، مع انتعاش السياحة، وعودة حركة السفر، وتحسن الطلب الخارجي على عدد من الصادرات الأردنية. أي أنه ارتفع نتيجة ظرف خاص فرضته جائحة كورونا.

أما نمو الربع الأول من عام 2026، فهو يختلف عن كل ما سبق، إذ لم يكن نتيجة صدمة سكانية، ولا توسع مالي استثنائي، ولا تعافٍ من أزمة صحية عالمية، وإنما جاء نتيجة تحسن تدريجي في أداء الاقتصاد الحقيقي، وفي مقدمة ذلك القطاعات الإنتاجية، وعلى الرغم من تقلبات إقليمية كان من الممكن لها أن تؤثر بشكل سالبٍ وعكسي على الاقتصاد الأردني.

وهنا تكمن الرسالة الأهم. فالزراعة سجلت نمواً بلغ 6.8%، والصناعات التحويلية 5.3%، والتعدين والمحاجر 4.7%، وإمدادات الكهرباء 4.3% . كما أسهم القطاع الصناعي وحده بما يقارب 40% من النمو الاقتصادي، وهي نسبة تؤكد أن الصناعة أصبحت تقود النمو بصورة متزايدة، فان تتحرك الصناعة التحويلية بهذا الشكل، ورغم الظروف الإقليمية، أمر يستحق التمحيص بل وتهنئة القائمين على صناعة القرار والسياسات الاقتصادية، فالصناعة التحويلية عماد الاقتصاد الحقيقي وتحقيق معدلات نمو مرتفعةٍ فيها في فترة زمنية قصيرة كما حدث في الأردن لا يعد أمراً سهلاً. كما أن ما شهدناه يدل على أن الاقتصاد بدأ يعتمد أكثر على الإنتاج والقيمة المضافة، وأقل على الأنشطة الاستهلاكية، وهي تحولات إيجابية فعلاً.

ويؤكد ذلك الأداء المتميز للصادرات. ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل ليس فقط ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، بل تحسن نوعية هذا النمو. فقد تزامن مع انخفاض العجز التجاري بنسبة 6.3% (ارتفعت في الأشهر الأربعة الأولى من العام بنسبة 9.1%)، وارتفاع نسبة تغطية الصادرات للمستوردات إلى 59%، وهو ما يعني أن الاقتصاد الأردني لم ينمُ اعتماداً على زيادة الاستهلاك أو الاستيراد، وإنما بدأ يحقق نمواً أكثر اعتماداً على الإنتاج المحلي وتحسن أداء التجارة الخارجية. وهذا يعني أن كل مئة دينار من المستوردات أصبح يقابلها 59 ديناراً من الصادرات، وهو تحسن ملموس في جودة التجارة الخارجية، وانخفاض في الاعتماد على التمويل الخارجي لتمويل الواردات. أيضاً، لابد من الإشارة الى ان هذه اعلى نسبة تغطية للصادرات خلال الفترة 2010-2025، حيث بلغت في المتوسط 43%.

أيضاً، من الواضح أن ارتفاع الصادرات الصناعية كان مدفوعاً بزيادة صادرات الصناعات التعدينية، والكيماوية، والأسمدة، ومواد البناء، والأدوية، والألبسة، والصناعات الغذائية والهندسية. وهو تنوع في هيكل الصادرات يعكس تحسناً في تنافسية الصناعة الأردنية، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة التقلبات في الأسواق الخارجية.

انخفض دخل القطاع السياحي في الربع الأول من 2026 بنسبة 3.8% إلى 1.65 مليار دولار، مقارنة مع 1.72 مليار دولار في الربع الأول من 2025، بسبب تراجع دخل السياحة من الأردنيين المغتربين والعرب وبعض الجنسيات الأخرى. لكنه في المقابل تحسن من الجنسيات الأوروبية بنسبة 20.1% والآسيوية 4.7% والأميركية 1.2%. ومن المرجح أن يستعيد زخمه بصورة أكبر مع ازدياد الهدوء في المنطقة، فالسياحة من أكثر القطاعات حساسية نحو التقلبات الأمنية.

ومن الإشارات التي لا تقل أهمية، ارتفاع عدد رخص الأبنية الممنوحة خلال الربع الأول بنحو 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إلى جانب زيادة المساحات المرخصة. وفي علم الاقتصاد، تُعد هذه المؤشرات من أوائل المؤشرات التي تعكس ثقة المستثمرين والأفراد بالمستقبل، لأنها تمثل قرارات استثمارية تتخذ اليوم على أساس توقعات الغد. لذلك، نلاحظ أن الثقة في الاقتصاد وإدارته تحسنت بشكل ملحوظ.

كما حافظ الاقتصاد على مجموعة من عناصر القوة الأخرى، من بينها احتياطيات أجنبية مرتفعة، وتضخم منخفض، ونمو في حوالات الأردنيين العاملين في الخارج، واستمرار تحسن الصادرات الوطنية، وهي عوامل عززت الاستقرار الاقتصادي ورفعت قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

لا يعني كل هذا أن الطريق أصبح خالياً من التحديات. فما تزال البطالة، ورفع الإنتاجية، وتسريع خلق فرص العمل، وتحسين مستويات الدخل، تمثل أولويات وطنية لا غنى عنها. لكن معالجة هذه التحديات تصبح أكثر واقعية عندما يكون الاقتصاد في مسار نمو مستدام، تقوده الصناعة والزراعة والاستثمار والتصدير، لا الظروف الاستثنائية أو التوسع المالي المؤقت.

إن الرسالة التي يحملها رقم 2.9% تتجاوز كونه مجرد معدل نمو فصلي. فهو يعكس اقتصاداً أصبح أكثر تنوعاً، وأكثر قدرة على التكيف، وأكثر اعتماداً على القطاعات الإنتاجية. كما يعكس أن الإصلاحات الاقتصادية، وإن كانت ثمارها تأتي تدريجياً، كما هو متوقع، بدأت تترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا الزخم. فإذا استمرت الصناعة في التوسع، وواصلت الصادرات نموها، وتحسن الاستثمار الخاص، وتعافت السياحة مع استقرار الأوضاع الإقليمية، فإن الاقتصاد الأردني يمتلك فرصة حقيقية للدخول في مرحلة جديدة، يكون فيها النمو الأعلى ليس استثناءً، بل القاعدة. وعندها لن يكون نجاح الاقتصاد مجرد رقم في تقرير إحصائي، بل واقع يلمسه المواطن في فرصة عمل أفضل، ودخل أعلى، ومستقبل أكثر ثقة.

حمى الله الأردن قيادة وشعباً...

الراي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :