لو تأمل ابن رشد حالنا اليوم
م. سعيد المصري
10-07-2026 10:57 AM
ليس استحضار ابن رشد في الحالة الأردنية محاولة للعودة إلى سجال تاريخي حول الفلسفة والدين، ولا بحثاً عن شخصية من الماضي نستعين بحكمتها لتجميل خطابنا المعاصر. المقصود هو استحضار منهج في التفكير؛ منهج يجعل العقل والبرهان والبحث في الأسباب أساساً لفهم الواقع، ويقيس قيمة الأفكار بما تنتجه من معرفة وما تفضي إليه من نتائج.
ولو أتيح لابن رشد أن يتأمل الأردن اليوم، في مدنه وأريافه وبواديه، وفي مؤسساته ومجالسه وجامعاته وأسواقه، لوجد مجتمعاً يمتلك قدراً كبيراً من الوعي والخبرة والانتماء، ودولة استطاعت أن تحافظ على تماسكها واستمرارها وسط إقليم شديد الاضطراب. لكنه ربما كان سيتوقف عند المسافة القائمة بين ما نملكه من معرفة وكفاءات، وبين قدرتنا على تحويلها إلى سياسات ونتائج ملموسة.
فالمشكلة ليست في غياب الآراء؛ فالآراء كثيرة، والنقاشات لا تنقطع، والمواقف تُعلن في كل قضية. غير أن كثرة الجدل لا تعني بالضرورة حضور العقل. فقد يتحول الحوار، عندما يفقد غايته، إلى منافسة لإثبات الذات أو كسب موقع معنوي، بدلاً من أن يكون وسيلة لاكتشاف الحقيقة أو بناء توافق حول الحلول الممكنة.
العقل الذي مثله ابن رشد لا يرفض الاختلاف، بل ينظمه. ولا يطالب الناس بأن يتفقوا على كل شيء، بل بأن يستند خلافهم إلى معرفة، وأن يؤدي النقاش إلى فهم أعمق للموضوع، لا إلى انقسام أوسع بين المتحاورين. وهو عقل لا يقيس نجاح النقاش بمن ارتفع صوته أو غلب خصمه، بل بما أضافه الحوار إلى المصلحة العامة.
في الحالة الاجتماعية، لعل أول ما يستحق التأمل هو كيفية إدارة التنوع الأردني. فقد تشكل المجتمع الأردني عبر تاريخ الدولة من مكونات اجتماعية وجغرافية وثقافية متعددة، اندمجت في مسيرة وطنية مشتركة. وهذا التنوع مصدر قوة، شريطة أن يبقى محكوماً بالمواطنة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص.
لكن الضغوط الاقتصادية والإقليمية قد تدفع بعض الخطابات إلى استدعاء الانتماءات الفرعية، أو تفسير المشكلات العامة من خلال أصول الأشخاص وهوياتهم، بدلاً من البحث في الأسباب المؤسسية والسياسات العامة. وهنا يغيب العقل عندما تتحول قضية إدارية أو اقتصادية إلى اختبار للانتماء، أو عندما يُحكم على الفكرة من هوية صاحبها قبل النظر في مضمونها.
وكان ابن رشد سيذكرنا بأن المجتمع لا يحافظ على وحدته بمجرد تكرار عبارات الوحدة الوطنية، بل بتحويلها إلى شعور يومي بالعدالة والإنصاف والاحترام المتبادل. فالمواطنة لا تضعف التنوع، وإنما تمنحه إطاراً سياسياً وأخلاقياً مشتركاً يمنع تحوله إلى انقسام.
وفي المجال السياسي، تبدو الحاجة إلى العقل أكثر إلحاحاً. فالسياسة ليست مجرد القدرة على التعبير عن المواقف، ولا هي منافسة على اجتذاب التأييد الآني. السياسة في جوهرها هي إدارة المصالح والموارد والمخاطر، وترتيب الأولويات، واختيار البدائل الممكنة في ظل ظروف معقدة.
ومع ذلك، يطغى أحياناً على النقاش السياسي سؤال: من كان أكثر جرأة في خطابه؟ بدلاً من السؤال: من قدّم تصوراً أفضل للحل؟ وقد يمنح الموقف الحاد صاحبه شعبية مؤقتة، لكنه لا يغني عن البرنامج، ولا يعفي من مسؤولية التنفيذ، ولا يجيب عن كلفة الاقتراح وآثاره ووسائل تطبيقه.
إن العقل السياسي لا يعني البرود أو التخلي عن المبادئ، بل يعني الجمع بين المبدأ والقدرة على الإنجاز. فالقيمة الحقيقية لأي موقف سياسي لا تكمن في جمال صياغته وحدها، وإنما في قدرته على حماية المصلحة الوطنية، وتحسين حياة المواطنين، وتوسيع مساحة المشاركة، وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
أما في المجال الاقتصادي، فإن الحاجة إلى منهج ابن رشد تصبح أكثر وضوحاً؛ لأن الاقتصاد لا يستجيب للشعارات ولا يجامل النوايا. فهو يقوم على الإنتاجية، والاستثمار، والكفاءة، والقيمة المضافة، وقدرة المجتمع على تحويل المعرفة والموارد إلى فرص عمل ودخل مستدام.
لدينا تشخيصات كثيرة للبطالة، والمديونية، وضعف النمو، وتفاوت الفرص، لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من تكرار التشخيص إلى تحديد الأولويات وتنفيذ السياسات وقياس نتائجها. فليس المهم أن نتفق على صعوبة الوضع الاقتصادي، بل أن نحدد القطاعات القادرة على النمو، والمهارات المطلوبة، ودور الدولة والقطاع الخاص، والعلاقة بين التعليم وسوق العمل، وموقع الأردن في شبكات الطاقة والبيانات والنقل والتجارة الإقليمية.
ومن منظور رشدي، لا يكفي أن يكون القرار الاقتصادي مقبولاً في خطابه، بل يجب أن يكون قابلاً للتبرير بالأرقام، وأن تُدرس بدائله، وأن تُعلن أهدافه، وأن يخضع أثره للمراجعة. فالعقل الاقتصادي لا يَعِد بنتائج سريعة لا تسمح بها الإمكانات، ولا يؤجل الإصلاحات الصعبة خلف اللغة العامة، بل يصارح المجتمع بالخيارات وكلفها ومردودها.
وفي المجال الثقافي والتعليمي، ربما كان ابن رشد سيسأل عن موقع السؤال في مدارسنا وجامعاتنا. فالتعليم الذي يكتفي بنقل المعلومات ولا يدرب الطالب على التحليل والنقد والاستنتاج، قد ينتج شهادات كثيرة، لكنه لا ينتج بالضرورة عقلاً مستقلاً قادراً على التعامل مع عالم سريع التحول.
ولا تعني ثقافة العقل إقصاء القيم أو الموروث، بل تعني التعامل معهما بوعي وثقة. فالمجتمع الواثق من هويته لا يخشى السؤال، والمؤسسة الواثقة من أدائها لا تخشى التقييم، وصاحب الفكرة القوية لا يخشى النقاش المبني على الحجة.
لقد دخل العالم مرحلة تتغير فيها طبيعة الاقتصاد والتعليم والعمل بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتقدم العلمي. وفي مثل هذه المرحلة، لا يعود الجدل غير المنتج مجرد إضاعة للوقت، بل يصبح كلفة وطنية؛ لأن الآخرين لا ينتظرون انتهاء سجالاتنا، والأسواق لا تتوقف حتى نصل إلى توافق كامل، والتكنولوجيا لا تمنح المترددين وقتاً مفتوحاً للحاق بها.
ومع ذلك، فإن استحضار ابن رشد لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة لواقعنا. فالأردن يمتلك مؤسسات راسخة، ورأس مال بشرياً مهماً، وتجربة سياسية واجتماعية مكّنته من تجاوز أزمات كبرى. والمطلوب ليس هدم هذه التجربة، بل تطويرها بإدخال العقل المنظم بصورة أعمق في صناعة القرار والنقاش العام.
وهذا يقتضي الانتقال من ثقافة الانطباع إلى ثقافة الدليل، ومن المبادرات المتفرقة إلى العمل المؤسسي، ومن إعلان النوايا إلى قياس النتائج، ومن الجدل حول الأشخاص إلى مناقشة السياسات. كما يقتضي أن تصبح الدراسات ومراكز التفكير والجامعات والبيانات أدوات حقيقية في صياغة القرار، لا مجرد مصادر للاستشهاد بعد اتخاذه.
لو تأمل ابن رشد حالنا اليوم، فلربما لم يطالبنا بأن نقرأ كتبه بقدر ما كان سيطالبنا بأن نستعيد طريقته في السؤال: ما حقيقة المشكلة؟ ما أسبابها؟ ما الأدلة المتاحة؟ ما البدائل؟ ما كلفة كل بديل؟ وما النتائج التي يمكن قياسها؟
هذه الأسئلة ليست فلسفة بعيدة عن حياة الناس، بل هي أساس الإدارة الرشيدة والسياسة المنتجة والاقتصاد القادر على النمو والمجتمع القادر على حماية وحدته.
إن التحدي الذي يواجه الأردن ليس نقص الكلام، بل كيفية الارتقاء به من التعبير عن المواقف إلى صناعة الأفكار، ومن صناعة الأفكار إلى بناء السياسات، ومن بناء السياسات إلى تحقيق النتائج.
ولعل الرسالة التي يتركها لنا ابن رشد، بعد تأمله أحوالنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، هي أن الأوطان لا تتقدم عندما ينتصر فريق في الجدل على فريق آخر، بل عندما ينتصر العقل على الانفعال، والبرهان على الانطباع، والعمل المؤسسي على الاكتفاء بحسن النوايا.
فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى أمامنا ليس: من ربح النقاش؟ بل: ماذا ربح الأردن منه؟