facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحضارات تنهض حين تستثمر العقول وتستنهض القيم


د.ماهر سليم
11-07-2026 10:16 AM

لطالما انشغلت اطروحات فلاسفة السياسية والاجتماع عبر التاريخ بالسؤال الجوهري: ما الذي يصنع عظمة الأمة؟ هل هي مساحات الأراضي الشاسعة أم احتياطيات الذهب والمعادن أم القوة العسكرية والمالية؟ إن التاريخ بشواهده الحية يجيبنا بأن الموارد المادية على أهميتها ليست سوى أدوات جامدة لا قيمة لها دون يدٍ تحركها وعقلٍ يوجهها. وتتلخص هذه الرؤية العميقة في الحكمة المأثورة التي تؤكد أن ((الأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد...وإنما بما تمتلكه من عقول... وما تحمله من قيم ..وما تؤمن به من رسالة)).

إن العنصر الأول في هذه المعادلة الثلاثية هو العقل فالعقول البشرية هي الثروة المتجددة التي لا تنضب بل تزداد قيمة وتألقاً مع الاستثمار فيها. ولو نظرنا إلى خارطة العالم الحديث لوجدنا دولاً لا تمتلك موارد طبيعية تُذكر ومع ذلك استطاعت أن تتبوأ صدارة المشهد الاقتصادي والتكنولوجي العالمي بفضل استثمارها في التعليم والبحث العلمي فالعقل هو الذي يحول الرمل إلى رقائق إلكترونية ذكية وهو الذي يدير الأزمات ويخلق الحلول من رحم المستحيل. إن وفرة الموارد دون عقول تديرها تؤدي حتماً إلى الهدر والتبديد بينما ندرة الموارد مع وجود عقول مبدعة تصنع المعجزات وتخلق الفرص من العدم.

لكن العقل وحده ! رغم قوته وجبروته قد يتحول إلى أداة تدمير إذا تجرد من الضمير والأخلاق. وهنا يأتي دور الركيزة الثانية وهي القيم... إن القيم الإنسانية المشتركة من عدالة وصدق وتسامح واحترام للقانون هي الرابط الاجتماعي الذي يربط أفراد المجتمع ويحفظ تماسكهم. فالحضارات التي قامت على القوة المادية والعلمية البحتة دون أساس أخلاقي سرعان ما انهارت من الداخل وتفككت عراها. إن العلم بلا ضمير هو خراب للروح والتطور التقني بلا قيم قد يؤدي إلى استعباد الإنسان لأخيه الإنسان. لذلك... فإن القيم هي الميزان والبوصلة التي تضمن أن توجه العقول طاقاتها نحو البناء والتعمير لا نحو الهدم والصراع.

أما الركيزة الثالثة فهي الرسالة ما الذي تريد الأمة أن تقدمه للعالم؟ ما هو دورها الحضاري؟ إن الأمة التي تعيش بلا رسالة هي أمة بلا هوية تعيش على هامش التاريخ حتى لو ملكت ناطحات السحاب ومخازن الذهب. الرسالة هي الرؤية الملهمة التي تتجاوز الحدود الجغرافية لتسهم في خير البشرية جمعاء سواء بنشر السلام أو محاربة الجهل أو تقديم نموذج إنساني يحتذى به في التنمية والتعايش. هذه الرسالة هي التي تمنح الأمة البقاء والخلود في ذاكرة الإنسانية وتجعل لها بصمة لا تمحوها السنون.

في ذلك يمكن القول إن الموارد المادية تشبه الوقود لكن العقول هي المحرك والقيم هي المقود والرسالة هي الوجهة إن الاستثمار الحقيقي للأوطان يجب أن يتجاوز باطن الأرض وثرواتها ليركز على بناء الإنسان وتنمية عقله بالمعرفة وتحصين قلبه بالقيم، وشحذ همته برسالة حضارية سامية. عندها فقط تُبنى أمم عصية على الزوال قادرة على قيادة ركب الحضارة الإنسانية نحو آفاق أرحب.
ولو كانت الامم تقاس بمواردها الطبيعية لظلت اليابان دولة فقيرة إلا انها اعتمدت على الاستثمار بعقول أبنائها واصبحت الان واحدة من اعظم الاقتصادات ومصادر العلم والتفوق بكل المجالات واصبح يطلق عليها كوكب اليابان !!





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :