الأمن الوطني في ظل التهديدات غير التقليدية من منظور محافظ
د. بركات النمر العبادي
12-07-2026 12:08 PM
لم يعد الأمن الوطني اليوم ذلك المفهوم الصلب الذي كان يُختزل في حدودٍ تُحرس ، وجيشٍ يُرابط ، وخصمٍ يُواجه على تخوم الجغرافيا ، لقد تغيّر شكل الخطر ذاته، وتحوّل من كونه شيئاً يُرى بالعين إلى شيء يتسلل في البنى غير المرئية للدولة : في الاقتصاد ، وفي الفضاء الرقمي، وفي تفاصيل الاجتماع الإنساني اليومية، وفي هذا التحول، يصبح الأمن الوطني الأردني جزءاً من سؤال أوسع : كيف تحمي الدولة ذاتها حين لا يكون التهديد خارجها فقط ، بل متغلغلاً في داخلها أيضاً ، وفي الوقت نفسه دون أن تفقد روحها التاريخية ومرجعيتها الاجتماعية؟
في الحالة الأردنية ، لا يمكن فهم الأمن بوصفه وظيفةً تقنيةً بحتة ، بل بوصفه حالة توازن دقيقة بين الاستقرار والقدرة على التكيّف ، وبين التحديث والحفاظ على الثوابت ، فالدولة ليست جسداً مغلق اً، بل كياناً مفتوحاً على محيط إقليمي شديد الاضطراب ، تتقاطع فيه الحروب غير المتماثلة مع اقتصاديات الظل ، وتتشابك فيه الحدود مع الشبكات غير الرسمية ، هنا يصبح الأمن أقرب إلى “فلسفة إدارة المخاطر” منه إلى مجرد رد فعل على الخطر، مع بقاء الهوية الوطنية بوصفها خط الدفاع الأول غير المرئي.
التهديدات غير التقليدية لا تأتي في هيئة جيوش ، بل في هيئة احتمالات ، الإرهاب لم يعد مجرد تنظيمات تتجمع في مكان محدد ، بل فكرة قابلة للانتقال عبر الشاشة ، والجريمة المنظمة لم تعد مجرد شبكات محلية ، بل اقتصاد عابر للحدود ، وحتى المخدرات لم تعد مجرد مادة مهربة ، بل منظومة كاملة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الفقر مع الطلب العالمي.
أما الأخطر ، فهو أن هذه التهديدات لا تعلن حضورها ؛ إنها تعمل بصمت ، وتُراكم أثرها ببطء حتى يصبح التهديد جزءاً من “الطبيعي”. وهنا تحديداً تتغير وظيفة الأمن : من مواجهة الحدث إلى مراقبة التحول ، ومن رد الفعل إلى حماية البنية القيمية التي تمنع الانزلاق.
ومن منظور محافظ ، فإن الخطر لا يهدد الدولة فقط من حيث وظائفها ، بل من حيث “معناها” أيضاً : أي قدرتها على الحفاظ على تماسكها الأخلاقي والاجتماعي في ظل موجات التغير السريع.
وكون الأردن يقع في منطقة لا تعرف الاستقرار كحالة دائمة ، بل كاستثناء مؤقت ، وهذا الموقع الجغرافي لا يمنحه فقط حساسية أمنية عالية ، بل يفرض عليه أيضاً نموذجاً خاصاً في التفكير الأمني : نموذج يقوم على الاستباق ، لا على الانتظار ؛ وعلى التوازن ، لا على المواجهة المطلقة ؛ وعلى حماية الدولة دون تفكيك نسيجها الاجتماعي.
في هذا السياق ، يصبح الأمن الوطني الأردني ليس مجرد حماية للحدود ، بل حماية لنمط الحياة ذاته : استقرار المجتمع ، وتماسك البنية الاجتماعية ، واستمرارية الدولة في أداء وظائفها وسط محيط مضطرب ، مع الحفاظ على الهوية الوطنية بوصفها مرجعية جامعة غير قابلة للاستبدال.
ومن زاوية الفكر المحافظ، فإن هذه المنظومة لا تكتمل دون “حارس غير مرئي” يتمثل في القيم الاجتماعية، والمؤسسات التقليدية، والروابط الأسرية، باعتبارها عناصر استقرار تُصعّب على التهديدات غير التقليدية اختراق المجتمع.
التهديدات غير التقليدية هو أنها لا تأتي من خارج المجتمع فقط ، بل من نقاط ضعفه الداخلية أيضاً ، فالفقر، والبطالة، والتهميش، وضعف الفرص، ليست مجرد قضايا اجتماعية، بل هي أيضاً بيئات قابلة لإنتاج المخاطر.
وهنا يصبح الأمن الوطني ليس فقط حماية من الخارج ، بل أيضاً إصلاحاً للداخل ، فالدولة التي لا تعالج جذور الاختلالات الاجتماعية ، تجد نفسها لاحقاً في مواجهة أعراضها الأمنية ، غير أن المنظور المحافظ يضيف هنا بُعداً آخر: أن الإصلاح الاجتماعي لا يكون فقط عبر السياسات الاقتصادية، بل أيضاً عبر تعزيز الانتماء، وترسيخ الهوية، وتقوية الروابط الاجتماعية التي تمنع تفكك المجتمع إلى وحدات منفصلة سهلة الاختراق.
وفي مواجهة هذا الواقع المعقد ، لا يعود السؤال : كيف نمنع الخطر ؟ بل : كيف نبني دولة قادرة على امتصاص الصدمات دون أن تفقد توازنها أو هويتها ؟
الإجابة تكمن في ثلاث دوائر مترابطة:
• تطوير أدوات الأمن السيبراني والتقني.
• تعزيز العدالة الاجتماعية كجزء من الوقاية الأمنية.
• بناء تشريعات مرنة قادرة على مواكبة الجرائم المتغيرة.
لكن من منظور محافظ، تظل هناك دائرة رابعة لا تقل أهمية لا: حماية الهوية الوطنية بوصفها إطاراً جامعاً ، يمنح هذه السياسات معناها ويحولها من إجراءات تقنية إلى مشروع دولة متكامل.
وختاما ان الأمن الوطني الأردني في ظل التهديدات غير التقليدية ليس مجرد ملف إداري أو أمني ، بل هو سؤال وجودي حول قدرة الدولة على الاستمرار في عالم تتغير فيه طبيعة الخطر باستمرار، دون أن تفقد جذورها أو تذوب في التحولات السريعة ، إنه انتقال من فكرة “حماية الدولة من التهديد” إلى فكرة “حماية قدرة الدولة على فهم التهديد قبل أن يتشكل”، وفي الوقت نفسه حماية ذاتها من أن تفقد توازنها بين التحديث والهوية.
وفي هذا المعنى ، يصبح الأمن ليس جداراً حول الدولة ، بل وعياً داخلها ، وميزاناً دقيقاً بين التغيير والثبات.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - الامين العام المساعد للثقافة الحزبية