غسيل دماغي مجتمعي
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
12-07-2026 05:33 PM
من يربي اليوم هو من يصنع الرواية و الوعي الجمعي و الذي سنتعامل معه لعقود. استكمالا للاسئلة الثقافية الحائرة اطرح اليوم سؤال من الذي يربي؟ هل هم الأهل ام التلفون. الأهل هنا هم الاسرة و المجتمع الفرعي و الحكومة و الاعلام الرسمي مقابل التلفون الذي هو الشركات الكبرى و المؤثرين و المشاهير و الاعلام الرقمي. أهمية هذا السؤال هو في استشراف المستقبل للاستفادة من التحول الاجتماعي بما يخدم الاردن و ليس التمترس خلف اراء و انماط مسبقة فنحن في الاردن تعرضنا لظلم في روايتنا خلال المئة عام الماضية و بقينا ندافع في وجه اعلام اليسار و الاخوان و التيار الرسمي و الشعبي العربي و قزمت انجازاتنا و مساهماتنا و دمائنا التي بذلت من اجل القضايا العربية لاجل روايات مشوهه و في فهمنا للتوجه العام في صناعة الراي و الرواية و السردية هنالك فرصة لنصنع التأثير الثقافي لنحمي استقرارنا و روايتنا أما ان اهملنا هذه الفرصة فقد نحتاج 50 عاما لاستعادتها. لنفكك الحكاية لا بد ان نفهم من الذي يشكل عقلية الجيل الحالي على مستوى العالم و المنطقة العربية و الاردن.
لنوضح الآلية و الاهمية اطرح السيناريو التالي:
مجتمع من الناس يوضع في عزلة اعلامية اي يتلقى من منصات محددة، تكرار قصص و اساطير وهمية يدس فيها لمسة من الحقيقة، قضايا سياسية و معيشية تتحول لقضايا عقائدية مع الوقت تصبح مقدسة، رجال يمثلون تلك الايديولوجيا يكتسبون القدسية بالتالي، رشوة اجتماعية بالمال و النفوذ للمواليين. مبروك اصبحت هنالك عملية غسل دماغي اجتماعي لا يكسرها العقل و المنطق و العلم. هذا سيناريو يتكرر في منطقتنا لكن تختلف فيها الفكرة العقائدية و الجهات المؤثرة.
تشكيل العقلية (العدسة التي نرى من خلالها العالم) يصنع الية التفكير الجمعية و التي تصنع القرارات و بالتالي السلوك اللفظي و الفعلي. اذا من يصنع العقلية هو من يتحكم و يصنع التأثير و الاتباع و الاصدقاء و الأعداء.
سابقا كانت الاسرة و المجتمع المحيط هي من تغذي بالافكار و السرديات و تصنع العقلية معتمدة على العادات و التقاليد و الدين و الرواية المخفية و هذه الاخيرة كانت الاخطر لانها كانت تبني العداء للرواية الرسمية و هي المنفذ للفكر المشوه.
اليوم هنالك صراع على تشكيل العقلية من جديد في العالم اجمع و ادواته التلفون و الخوارزميات و الجهات التي تحدد الهدف و تصنع الادوات و السرديات لتحقيق ذلك الهدف. الشركات الكبرى تريد مواطن مستهلك سطحي التفكير مهزوز الثقة و التيار الليبرالي يريد محو كافة الهويات الفرعية و الوطنية من الاسرة حتى الدولة و ازالة تأثير الدين و التاريخ و الانتماء لانتاج المواطن الاقتصادي الفردي سهل التشكيل، المتعصبون يريدون صناعة قطعان من الاتباع يؤمنون بقدسية افكارهم و مستعدون للانسلاخ عن انتماءاتهم الوطنية لخدمة الايدولوجيا باشكالها و هكذا هنالك صراع ثقافي تستخدم فيه ادوات التكنولوجيا الحديثة لصناعة مؤثرين و مشاهير تسوق لافكار و طريقة حياة و تفكير تغير عقلية المجتمعات.
السؤال الاهم ماذا نريد نحن في الاردن. ان بقينا على التفكير النمطي التقليدي الجامد سنجد ان روايتنا يكتبها غيرنا و مجتمعنا يشكل عقليته آخرون أما اذا تعاملنا بذكاء و استشراف للمستقبل فنحن قادروين على صناعة رواية جديدة و عقلية جديدة ليس فقط لمجتمعنا بل ايضا خارج حدودنا لكن ذلك يستدعي ان نحدد اهدافنا الثقافية و شكل العقلية التي نريدها و نصنع مؤثريها و نصنع نواقلها من الدولة للمجتمع لكن ذلك يستدعي اشخاص جدد في الوزارات و المؤسسات الفاعلة تؤمن بدور التكنولوجيا و التواصل و تضع الآليات و تنفذها و ليس ما اراه اليوم من عناد او تعالي او استعراض لاهداف التلميع الذاتي او رفض التغيير و التحول فليس كل حدث بسيط بطولة و ليس كل خلاف اداري مظلومية و ليس كل انجاز بسيط هو ثورة و الخلافات داخل اي مؤسسة لا يجوز ان تكون مادة اعلامية غير منضبطة و ليس كل فاتورة او مخالفة سير او مضاعفة طبية او تأخير معاملة هي معضلة يتوجب نشرها على المنصات. التأثير يحتاج مهنية و انضباط و قبل ذلك مسؤولية في ما ينشر و ما يقال و كل ذلك ليخدم هدف اكبر و هو ان نستفيد مما يربي اليوم (التلفون) و يصنع عقلية ليخدم الشرعية الاردنية و روايتها و استقرارها و سمعتها.
لذلك ارى اننا لا بد ان نصنع مشروعنا الثقافي اليوم و ليس غدا بناء على من يربي و من يصنع الرأي