رحيل حمد بن خليفة آل ثاني…عندما يرحل صُنّاع الأوطان
م. وائل سامي السماعين
13-07-2026 12:08 AM
هناك رجال يمرّون في صفحات التاريخ، وهناك رجال يصنعون التاريخ ويتركون في أوطانهم أثراً لا تمحوه السنون. وكان صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، واحداً من أولئك القادة الذين غيّروا مسار أوطانهم، وصنعوا من الرؤية واقعاً، ومن الطموح نهضةً بقيت شاهدة على عظمة الإنجاز.
لم يكن خبر رحيل سموه بالنسبة إليّ مجرد نبأ عن وفاة قائد عربي كبير، بل كان لحظة أعادت إلى ذاكرتي أكثر من نصف قرن من العلاقة التي جمعت أسرتي بدولة قطر، وأعادت إليّ صور الرجال الذين أسهموا في بناء مؤسساتها الأولى، حين كانت الدولة تخطو خطواتها بثقة نحو الاستقلال وبناء كيانها الحديث.
في عام 1969، وقبيل استقلال دولة قطر، توجه عدد من الضباط الأردنيين إلى الدوحة للمساهمة في تأسيس وتطوير المؤسسات العسكرية والأمنية في الدولة الناشئة. وكان والدي، رحمه الله، من بين أولئك الرجال الذين شاركوا في تأسيس جهاز المخابرات العامة القطري، ثم واصل خدمته في القوات المسلحة القطرية في مواقع متعددة، واضعاً خبرته وإخلاصه في خدمة وطن أصبح بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان للعمل، بل وطناً ثانياً حمل له كل الوفاء والانتماء.
ولأن الدول العظيمة تُعرف بوفائها لمن خدموها بإخلاص، لم تنسَ قطر رجالها ولا من أسهموا في بناء مؤسساتها. وبعد تخرجي من الجامعة، تشرفت بمكرمة أميرية كريمة من صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فالتحقت بالقوات المسلحة القطرية برتبة ضابط مهندس، وعوملت بكل تقدير ومحبة، كما يُعامل أبناء دولة قطر.
ولم تكن تلك المكرمة بالنسبة إليّ مجرد فرصة وظيفية أو تكريم شخصي، بل كانت رسالة وفاء نبيلة من قيادة عرفت كيف تحفظ الجميل، وتقدّر الرجال الذين خدموا البلاد في مراحل التأسيس. وستظل هذه المكرمة محفورة في وجداني ما حييت، شاهدةً على أصالة سموه ونبل أخلاقه ووفائه لمن قدموا لقطر بإخلاص.
عرفت القوات المسلحة القطرية صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قبل أن يعرفه العالم قائداً للدولة. فقد كان قريباً من الضباط والجنود، متواضعاً في تعامله، إنسانياً في قراراته، يحترم الجميع ويؤمن بأن القيادة الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان والاقتراب من همومه.
ولهذا لم يكن غريباً أن يحظى بمحبة منتسبي القوات المسلحة والشعب القطري على حد سواء، فقد كانت مكانته في القلوب تسبق المناصب والألقاب، وكانت إنسانيته وتواضعه من السمات التي ميزت شخصيته القيادية منذ سنواته الأولى في المؤسسة العسكرية.
ولا أنسى ذلك الصباح الذي ما زال محفوراً في ذاكرتي. كنت في مكتبي بالقوات المسلحة القطرية، وعند الساعة السادسة صباحاً أُعلن عن تولي سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم.
وما إن مضت ساعات قليلة حتى عمّت أجواء الفرح والثقة بين منتسبي القوات المسلحة، لأنهم كانوا يعرفون سموه عن قرب، قائداً عسكرياً كفؤاً، وإنساناً متواضعاً، ورجلاً يمتلك رؤيةً واضحة لمستقبل بلاده.
وكان من أوائل الأخبار التي تناقلناها آنذاك أن جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، كان أول زعيم عربي يهنئ سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بتوليه مقاليد الحكم، في موقف جسّد عمق العلاقات الأخوية والتاريخية التي جمعت الأردن وقطر، وما كان بين قيادتي البلدين وشعبيهما من احترام ومحبة وتقدير متبادل.
وعندما تولى سموه قيادة البلاد، لم يكتفِ بإدارة دولة غنية بالموارد، بل امتلك رؤية استراتيجية طموحة جعلت من قطر قصة نجاح عالمية. وقد أدرك منذ وقت مبكر أن الثروة الحقيقية للأوطان ليست في النفط والغاز وحدهما، وإنما في الإنسان، وأن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والصحة والبنية التحتية هو الضمان الحقيقي لمستقبل الدول واستمرار ازدهارها.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من تاريخ قطر، مرحلة اتسمت بالطموح الكبير والرؤية الواضحة والعمل المتواصل. فتحولت البلاد إلى ورشة بناء ونهضة شاملة، واستُثمرت عائدات النفط والغاز في بناء مؤسسات الدولة، وتطوير الإنسان القطري، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز البنية التحتية، ورفع مكانة قطر إقليمياً ودولياً.
وفي عهد سموه، أصبحت قطر قوة اقتصادية مؤثرة، وواحدة من أبرز الدول في صناعة وتصدير الغاز الطبيعي المسال. كما شهدت البلاد نهضة عمرانية وتعليمية وصحية غير مسبوقة، وأصبحت الدوحة مركزاً للدبلوماسية والحوار، ووجهة للاستثمار والثقافة والرياضة والإعلام.
ولم يكن ما تحقق مجرد طفرة اقتصادية عابرة، بل كان مشروع دولة متكاملاً، قام على التخطيط للمستقبل وبناء المؤسسات والاستثمار في الإنسان، حتى أصبحت قطر نموذجاً عالمياً في التنمية والقدرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات حقيقية.
وكان فوز قطر بحق تنظيم كأس العالم لكرة القدم حدثاً تجاوز حدود الرياضة، فقد كان إعلاناً بأن دولة عربية صغيرة في مساحتها، كبيرة في طموحها وإرادتها، قادرة على أن تقدم للعالم نموذجاً مبهراً في التخطيط والتنظيم والإدارة والإنجاز.
لقد نجحت قطر في كسب احترام العالم، ليس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بالقيادة التي آمنت بأن المستحيل ليس سوى كلمة تتراجع أمام الإرادة والعمل والثقة بالنفس.
ومن أبرز ما ميّز نهضة قطر أيضاً أنها أصبحت نموذجاً للتعايش الإنساني، تحتضن أبناء مئات الجنسيات والثقافات والأديان، يعيشون في أمن واستقرار واحترام متبادل. فقد كان بناء الإنسان، وحفظ كرامته، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة له، جزءاً أصيلاً من مشروع الأمير الوالد، إلى جانب بناء الدولة ومؤسساتها.
لقد أصبحت قطر في عهده وطناً جاذباً للكفاءات والطاقات من مختلف أنحاء العالم، ومكاناً يحقق فيه الإنسان طموحه، ويعيش فيه بأمن وكرامة، وهو ما يعكس نجاح رؤية لم تقتصر على العمران والاقتصاد، بل شملت الإنسان والمجتمع والقيم.
إن عظمة القادة لا تُقاس بعدد السنوات التي قضوها في الحكم، وإنما بحجم التحول الذي أحدثوه في حياة شعوبهم، وبما تركوه من مؤسسات راسخة ورؤية مستدامة للأجيال القادمة.
وقد استطاع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن ينقل قطر إلى مرحلة جديدة من التاريخ، وأن يرسخ دعائم دولة حديثة قوية، وأن يؤسس رؤية وطنية استمرت وتطورت بعد انتقال السلطة بكل سلاسة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في نموذج حضاري يعكس الثقة بالدولة ومؤسساتها ومستقبلها.
لقد رحل الأمير الوالد، لكن إرثه باقٍ في كل جامعة شُيدت، وكل مؤسسة أُسست، وكل مشروع تنموي تحقق، وكل شاب قطري وجد فرصة ليبني مستقبله في وطن يعتز به، وكل إنجاز رفع اسم قطر عالياً بين دول العالم.
أما أنا، فسأظل أذكره قائداً وفياً لم ينسَ رجالاً خدموا قطر بإخلاص، ولم ينسَ أسرة قدمت ما استطاعت في سنوات التأسيس. وستبقى المكرمة الأميرية التي حظيت بها شاهداً على أن الوفاء لم يكن عند سموه مجرد موقف عابر، بل كان نهجاً أصيلاً في شخصيته وقيادته.
رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وشعبه وأمته، وأدام على دولة قطر أمنها واستقرارها وازدهارها، في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
فالقادة العظماء يرحلون بأجسادهم، لكن رؤاهم وإنجازاتهم تبقى حاضرة في حياة شعوبهم، وتظل الأوطان التي صنعوها خير شاهد على عظمتهم.
رحم الله الأمير الوالد، وأسكنه فسيح جناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.