ضجيج سياسي في مساحة الوطن
د. م. محمد الدباس
13-07-2026 04:41 PM
اليوم يحتاج الأردن من (هذه الحكومة) إلى خطاب سياسي أكثر نضجاً، وإلى مسؤولين (أكثر انفتاحاً) على الرأي العام همهم الوطن وشعارهم الأسمى: (النزاهة والشفافية وأعلى درجات المسؤولية) مما يستدعي من رئيس الحكومة إتخاذ خطوة جريئة (لإعادة ضبط حكومتة) عاجلاً قبل فوات الأوان، وإلى (نواب) يمارسون دورهم الدستوري (بعيداً) عن الشعبوية والمناطقية، وإلى إعلام يضع (الحقيقة) بدلاً من البحث عن العناوين المثيرة. فالتحديات الإقتصادية والإقليمية أكبر من أن تُدار بمنطق تسجيل النقاط، وهي تحتاج إلى شراكة وطنية تعلي مصلحة الدولة فوق أي اعتبار.
كنا قد تعلمنا بأن النقد الهادف هو صمّام أمان وأداة لتصويب المسار، وحق أصيل يكفله الدستور. لكن بين النقد المسؤول والضجيج السياسي مسافة كبيرة، وعندما تختلط الأوراق يصبح الوطن هو أول من يدفع الثمن قبل الحكومة، وقبل مجلس النواب وقبل أي مواطن ومسؤول.
مؤخراً إتسعت دائرة الخطاب السياسي، وارتفعت وتيرة الإنتقادات، وهذا في حد ذاته مؤشر صحي إذا كان هدفه الإصلاح. إلا أن المشهد لم يخلُ من تجاوزات، سواء من بعض المسؤولين الذين لم يحسنوا إدارة الحوار مع الرأي العام وكانوا سبباً في إثارته، أو من بعض النواب الذين غلبت لديهم لغة الإثارة والمزايدة على لغة الرقابة والتشريع. وفي الحالتين خسر المواطن فرصة الإستماع إلى نقاشات تقدم حلولاً بقدر ما انشغل بمتابعة سجالات لا تضيف إلى واقعه شيئاً.
الإقتصاد لا يتعامل مع النوايا بل مع المؤشرات. فالمستثمر يبحث عن الاستقرار، ويقرأ الخطاب السياسي كما يقرأ الأرقام. وكلما ارتفع منسوب التوتر واتسعت دائرة التشكيك، وتكررت الرسائل السلبية ازدادت حالة الترقب، وتأجلت قرارات الإستثمار، بينما يبقى الباحث عن فرصة عمل هو الخاسر الأكبر.
أما مشروع تحديث (الحياة السياسية)، الذي يمثل أحد أهم رهانات الدولة خلال السنوات الأخيرة، فلا يمكن أن ينجح في بيئة يطغى فيها الصّخب على الحوار، أو تتحول فيها المنابر إلى ساحات لتسجيل المواقف بدلاً من صناعة التوافقات. ولا يعني ذلك الدعوة إلى إسكات الأصوات الناقدة أو تجميل الواقع، لكن النقد الحقيقي هو الذي يستند إلى الحقائق ويقدم البدائل، ويوازن بين كشف الخلل وحماية الثقة بالدولة ومؤسساتها. فهناك فرق كبير بين محاسبة المسؤول وبين تعميم الإحباط، وبين المعارضة الوطنية ومعارضة كل شيء.
خلاصة القول، إن الضجيج السياسي قد يجذب الانتباه لكنه لا يبني إقتصاداً ولا يوفر فرصة عمل، ولا يعزز ثقة المستثمر، ولا يطور الحياة السياسية. أما النقد المسؤول والحوار الهادئ والموقف الوطني، فهي الأدوات القادرة على تحويل الإختلاف إلى قوة، والسياسة إلى وسيلة للإصلاح والتنمية. متمنياً على (رئيس الحكومة) إعادة ضبط شامل لحكومته لأنها ستكون (المحفز الرئيس) لضبط كافة الإيقاعات..