خيارات الأردن الاستراتيجية في مرحلة "حرب الاستنزاف الإقليمية"
المحامي معن عبداللطيف العواملة
14-07-2026 09:49 AM
يقف الأردن اليوم أمام مشهد إقليمي معقد أفرزته نتائج المواجهات العسكرية بين القوى الإقليمية و العالمية، و قد شملت كل ساحات الاقليم باشكال مباشرة و غير مباشرة، و باساليب غير مسبوقة، بما في ذلك عدوان غاشم على اراضينا تم ردعه بحزم. ومع دخول المنطقة مرحلة التهدئة الهشة أو إعادة التموضع، وهي بالعموم استنزاف قد يطول، تبرز ضرورة تأكيد الخيارات الاستراتيجية للاردن للحفاظ على أمنه الوطني ودوره القومي و المحوري.
خيارنا السياسي الابرز يتمثل في تمتين الجبهة الداخلية للتقدم في التنمية و لمواجهة الضغوط الخارجية في آن معا. على رأس الاولويات التكاتف خلف مسارات التحديث السياسي و الاقتصادي، و ضمان مشاركة شعبية عالية و ايجابية في الِشأن العام. هذه المسارات هي القواعد الاولى في هرم استقلالية القرار، و ضمان السيادة بكافة اشكالها. هذا الخيار الاستراتيجي هو اكبر مصد دفاعي ضد جميع الاخطار.
الخيار الاستراتيجي الثاني يرتكز الى فتح الافاق و عدم الاكتفاء بالتحالفات التقليدية القائمة. علينا التوجه نحو تعميق العلاقات مع القوى الصاعدة و في ملفات حيوية محددة، مع الحفاظ على عمق عربي و اقليمي ايجابي و قوي. و هنا، فان لدى الاردن الممكنات ان يكون له دور فاعل في التهدئة الاقليمية، و على رأسها عمليات إعادة الاعمار في غزة و سوريا ولبنان، لتعزيز استقرار دول الجوار.
الخيار الاستراتيجي الثالث يرتكز الى تعاون وثيق مع الاشقاء في دول الخليج العربي. لطالما نظر الاردن لدول الخليج العربي كعمق استراتيجي، و قد جاءت الازمة الاخيرة لتؤكد على صلابة هذا الخيار. ان التكامل الاقتصادي، و التنسيق الأمني والعسكري مع هذه الدول الشقيقة يمثل اهم حائط صد ضد مشاريع التمدد و التي تسعى لزعزعة استقرار الدول الوطنية. و هنا لا بد من التركيز على الانتقال الى نموذج الاستثمار التنموي و التكامل الحيوي مع اشقائنا، و قد بدأت شواهد ذلك على ارض الواقع.
ومقدمة الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية تتمثل في المزج الذكي ما بين الاعتماد على الذات والربط الإقليمي. و من اولويات ذلك هو تأمين الطاقة والمياه عبر التوسع في الطاقة المتجددة ومشاريع تحلية المياه الوطنية و ابتكار تكنولوجيات المياه يكل انواعها. و من معالم ذلك الرئيسية مشاريع الناقل الوطني و سككك الحديد، و التي تستغل موقعنا الجغرافي بشكل اكبر فعالية ليكون الأردن مقرا رئيسيا لإعادة اعمار دول الجوار، والربط بين موانئ الخليج والمتوسط.
اما خياراتنا العسكرية و الامنية فقد تم تهيأتها بشكل استباقي عن طريق توجيهات جلالة الملك بتحديث الجيش و الاجهزة الامنية لمواجهة اشكال الحروب الجديدة والتهديدات غير المتماثلة من سيبرانية و غيرها. و قد اثبت قواتنا كفاءتها و جاهزيتها خلال العدوان الاخير، و هو تأكيد على صوابية و نجاعة خيارتنا العسكرية و الامنية.
إن الخيار الاستراتيجي الاردني الاشمل هو عدم الانحياز المطلق لاي محور، بل في تثبيت مفهوم الدولة المستقرة ذات السيادة الوطنية متمثلة في قيادة راسخة، و تماسك مجتمعي منيع، و ادارة حكيمة للموارد، و امن شامل متكامل، و سيادة ذات قواعد غير قابلة للاهتزاز. عناصر المنعة الاردنية ذاتية، وهو ما يؤسس لتكامل فعال مع الاشقاء، و تفاهمات واضحة مع الحلفاء.