facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حرب هرمز .. حين يتحول النصر العسكري إلى هزيمة سياسية


سمير حمدان - بودابست
14-07-2026 09:51 AM

* موت مذكرة التفاهم… وبداية شرق أوسط لا تحكمه القواعد

لم تعد المواجهة حول مضيق هرمز مجرد صراع عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحولت إلى اختبار عميق لقدرة القوة الصلبة على إنتاج نظام سياسي مستقر، فالتاريخ يثبت أن الدول قد تكسب المعارك لكنها لا تصنع السلام بالأدوات نفسها، وفي هذا السياق اكتشفت واشنطن أن التفوق البحري والجوي لا يترجم تلقائياً إلى سيطرة على النتائج السياسية، بينما أدركت طهران أن عدم تكافؤ القوة لا يمنعها من فرض معضلة استراتيجية على خصمها، فقيمة هرمز لا تكمن في ضيقه الجغرافي بل في موقعه داخل شبكة الاقتصاد العالمي، ما يجعل الصراع يدور حول التحكم في الكلفة لا مجرد السيطرة على المكان .

ما انهار خلال هذه الأزمة لم يكن مجرد تهدئة مؤقتة، بل نموذج غير معلن حكم العلاقة بين الطرفين لسنوات، كانت هناك مذكرة تفاهم غير مكتوبة تسمح بالتصعيد المنضبط وتمنع الانفجار الشامل وتحافظ على خطوط حمراء واضحة، غير أن اتساع نطاق الضربات واستهداف البنى العسكرية وامتداد المواجهة إلى المجال البحري أدى إلى تفكك هذا الإطار تدريجياً، لم تلغ هذه القواعد بقرار سياسي بل تآكلت بفعل تجاوز الوقائع لها، لذلك تبدو العودة إلى ما قبل الأزمة مستبعدة، لأن أي تفاهم قادم لن يكون إحياءً للنموذج السابق بل محاولة لصياغة نظام ردع جديد أكثر صرامة، لكنه أيضاً أكثر هشاشة .

تكشف هذه الحرب مفارقة جوهرية، وهي أن الهيمنة العسكرية لم تعد كافية لحماية النظام الاقتصادي العالمي، فالأساطيل تستطيع تأمين الممرات لكنها لا تستطيع منع الأسواق من إعادة تسعير المخاطر ولا إلغاء أثر الجغرافيا، وفي المقابل لا تملك إيران القدرة على إغلاق المضيق بشكل دائم دون كلفة باهظة، لكنها قادرة على جعله أكثر خطورة وغموضاً، ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط والتأمين والشحن، وفي اقتصاد تحكمه التوقعات بقدر ما تحكمه الوقائع يصبح احتمال الخطر عاملاً مؤثراً بحد ذاته، وهكذا يتحول هرمز إلى أداة جيواقتصادية يومية تقيس استقرار النظام العالمي .

بناءً على ذلك خرج الصراع من إطاره التقليدي، فلم يعد السؤال من يسيطر على البحر بل من يفرض كلفة أعلى على خصمه، لم يعد النفط مجرد سلعة بل أداة نفوذ، ولم تعد الممرات البحرية مجرد طرق تجارة بل أدوات ضغط سياسي، كما لم تعد الأسواق المالية مراقباً محايداً بل أصبحت جزءاً من مخرجات الصراع، حيث ينعكس أي اضطراب على التضخم وأسعار الفائدة والنمو وثقة المستثمرين، وبذلك يتحول أي خلل في هرمز إلى اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمات الممرات الاستراتيجية وإدارة المخاطر المرتبطة بها .

في هذا السياق تواجه الإدارة الأميركية معضلة مركبة، فعلى المستوى العسكري نجحت في الحفاظ على الردع وإظهار التفوق العملياتي، لكن هذا النجاح لا يتحول تلقائياً إلى إنجاز سياسي، لأن الحروب لا تنتهي بتوقف الضربات بل بتشكل قواعد تمنع تكرارها، وحتى الآن لا تبدو هذه القواعد قد تبلورت، وإذا استمر نمط التصعيد المتبادل فقد يتحول التفوق العسكري إلى عبء استراتيجي، حيث تصبح إدارة الأزمة بديلاً عن حلها وتتحول القوة إلى أداة لإدامة الصراع بدلاً من إنهائه، ما يفرض على واشنطن البحث عن صيغة جديدة تجمع بين الردع والاستقرار بدلاً من الاكتفاء بإدارة المخاطر يوماً بيوم .

في المقابل لا يمكن اعتبار إيران منتصرة، فهي تتحمل خسائر عسكرية واقتصادية ملموسة وتواجه ضغوطاً على بنيتها التحتية ونموها، غير أنها تراهن على عامل الزمن في ظل الضغوط الداخلية التي تواجهها واشنطن من الأسواق والرأي العام والاستحقاقات السياسية، وهنا يتغير معيار الحسم، فليس من ينتصر ميدانياً هو من يحسم الصراع، بل من يستطيع تحمل الكلفة لفترة أطول دون تآكل قدرته الاستراتيجية، فالصراعات الحديثة تحسم بإدارة الزمن بقدر ما تحسم بالقوة، وبالقدرة على تحويل الضغط المتراكم إلى أوراق تفاوض لا إلى استنزاف ذاتي يغلق الخيارات أمام صانع القرار .

تكمن خطورة المرحلة في الفراغ الذي خلفه انهيار قواعد الردع السابقة دون تشكل بديل واضح، فالتاريخ يشير إلى أن أكثر الفترات اضطراباً ليست تلك التي تبدأ فيها الحروب، بل تلك التي تموت فيها القواعد قبل ولادة أخرى جديدة، وعليه فإن السؤال الحاسم لم يعد من ربح الجولة الأخيرة، بل من سينجح في صياغة قواعد النظام الإقليمي القادم، لأن من يكتب هذه القواعد لن يحدد مستقبل الخليج فقط، بل سيعيد تعريف العلاقة بين القوة العسكرية والجغرافيا والاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة، وعندها فقط سيتضح ما إذا كان النصر العسكري قد تحول إلى استقرار سياسي، أم إلى هزيمة مؤجلة تظهر بعد صمت المدافع .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :