الحوكمة وما أدراك ما الحوكمة
د. سمر الشديفات
15-07-2026 09:06 AM
قبل أن نطالب بتعديل الوزراء... فلنطالب بالحوكمة
لسنا بحاجة إلى تغيير الأسماء في الحقائب الوزارية بقدر حاجتنا إلى مسؤولين على قدر المسؤولية، يعملون ضمن٠ منظومة مؤسسية راسخة تحكمها الحوكمة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون. فنجاح الدولة لا يتحقق بتبديل الأشخاص، وإنما ببناء مؤسسات قوية تُدار بالكفاءة والنزاهة، ويُحاسب فيها المقصر، ويُكافأ المجتهد، ويُصان فيها المال العام، وتُغلق أبواب تضارب المصالح قبل أن تتحول إلى منافذ للفساد.
لقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني، في مناسبات عديدة، أن قوة الدولة تُبنى بمؤسساتها، وأن الإدارة العامة يجب أن تقوم على الكفاءة والإنجاز والنزاهة وخدمة المواطن. وهذه الرؤية ليست مجرد توجيهات، بل مشروع وطني يستدعي مسؤولين يحملون همّ الوطن قبل ألقاب المناصب، ويعتبرون المنصب تكليفا لخدمة الأردنيين لا تشريفا أو وجاهة اجتماعية.
لسنا بحاجة إلى وزراء يتباهون بلقب "معالي"، بل إلى وزراء يترجمون هذا اللقب إلى مسؤولية، وإلى عمل، وإلى قرارات شجاعة تصب في مصلحة الوطن. نريد وزراء يحملون الأردن في عقولهم وقلوبهم، ينظرون إلى المستقبل برؤية ثاقبة، ويضعون المواطن في صميم كل قرار، ويؤمنون بأن الإنجاز هو اللقب الحقيقي الذي يبقى في ذاكرة الناس.
لقد آن الأوان أن يتحول النقاش الوطني من سؤال: "من سيكون الوزير؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "كيف نضمن أن تكون مؤسساتنا محكومة بقواعد واضحة لا تتغير بتغير الأشخاص؟"
إن الحوكمة ليست ترفا إداريًدا، وليست مصطلحا يُتداول في المؤتمرات، بل هي صمام الأمان للدولة، والحصن الحقيقي في مواجهة الفساد. فهي تعني الشفافية، والعدالة، والإفصاح، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وربط السلطة بالمسؤولية، والقرار بالمصلحة العامة.
وحين تغيب الحوكمة، يبدأ الفساد بالتسلل بهدوء، ثم يتجذر حتى يصبح وحشا (مسعور) يلتهم المؤسسات، ويهدر الموارد، ويقوض ثقة المواطن بالدولة. وعندها لن يجدي تغيير الأشخاص نفعًا، لأن الخلل سيبقى قائمًا ما دامت البيئة التي أنتجته ما تزال كما هي.
الأردن بحاجة إلى وزارات تعمل وفق مؤشرات أداء واضحة، وقوانين تُطبق على الجميع دون استثناء، وقرارات تُتخذ بشفافية، ومساءلة لا تعرف المجاملة أو الانتقائية. نريد مسؤولين يتركون أثرا في المؤسسات، لا حضورا في وسائل الإعلام، ويؤمنون بأن المنصب مسؤولية وطنية لا امتيازا شخصيا.
إن مكافحة الفساد لا تبدأ بعد اكتشافه، بل تبدأ ببناء منظومة تمنع حدوثه أصلا. فالوقاية ليست بالشعارات، وإنما بترسيخ الحوكمة في كل وزارة ومؤسسة، وإغلاق منافذ التجاوز قبل أن تتحول إلى قضايا رأي عام.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى مشروع وطني حقيقي لترسيخ الحوكمة في مؤسسات الدولة، وإلى وزراء يمتلكون الشجاعة لاتخاذ القرار، والقدرة على تحمل المسؤولية، والنزاهة في إدارة المال العام، والإيمان بأن خدمة الوطن شرف يسبق كل لقب.
فالأردن يستحق مؤسسات قوية لا تهتز بتغير الأشخاص، ويستحق رجال دولة ونساء دولة يحملون الوطن بعينٍ لا تغفل عن مصلحته، وبرؤية ثاقبة تستشرف المستقبل، ويقودون العمل العام بالكفاءة والعدالة والشفافية.
فلتكن الحوكمة هي العنوان الأول للإصلاح، ولتكن الكفاءة والنزاهة والإنجاز هي معايير اختيار المسؤولين، لا مجرد تغيير الأسماء في الحقائب الوزارية. فالأوطان تُبنى بالمؤسسات، وتنهض برجال دولة يصنعون الأثر، لا بالألقاب التي تزول بزوال المنصب.