facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تخطيط المدن والتطوير الحضري: كلفة التأجيل


المحامي معن عبداللطيف العواملة
15-07-2026 03:13 PM

لم يعد التخطيط الحضري في الأردن مجرد مسألة تنظيمية بحتة، أو ترفاً هندسياً يُترك لتقديرات بيروقراطية مؤجلة. بل هو اليوم تحدٍّ مصيري وجذري يرتبط مباشرة بالاستدامة الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية. إننا نقف أمام واقع يفرض علينا قرع ناقوس الخطر وبأعلى صوت لان الوضع الراهن حرج للغاية، والصمت أو التباطؤ في اتخاذ قرارات تخطيطية حاسمة وفورية لم يعد خياراً نملكه.

الضغوط غير المسبوقة حوّلت المدن الأردنية، وعلى رأسها العاصمة عمان، إلى غابات إسمنتية متراصة. هذه المدن باتت تختنق وتعاني من ضغط هائل لا تطيقه مواردها المحدودة، وبنيتها التحتية المتقادمة التي تجاوزت طاقتها الاستيعابية القصوى منذ سنوات، بدءاً من شبكات الصرف الصحي والمياه، وصولاً إلى منظومة إدارة النفايات.

ان التخطيط الحضري لأي دولة يتوقف بنيوياً على قدرتها على توفير الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه. والأردن، كما نعلم جميعاً، يُصنف من أفقر دول العالم مائياً. هذا العجز المائي يفرض تركيز التزاحم في المدن القائمة، مما يعمق الأزمة ويزيد من وتيرة الاختناق السكاني والخدماتي. و قد امتد التخطيط العشوائي ليلتهم أخصب أراضينا الزراعية. إن الزحف الأفقي الإسمنتي غير المنضبط على حساب الأراضي الزراعية، خاصة في مناطق مثل محيط المدن الكبرى وشمال المملكة و في الاغوار، هو تضحية بامننا الغذائي، و يهدد جودة الحياة الحضرية والتوازن البيئي.

وعلى الرغم من التقدم النسبي المشهود الذي أنجزه الأردن في مجال الطاقة المتجددة، إلا أن مدننا لا تزال أسيرة نموذج استهلاكي غير مستدام، لا سيما في قطاعي البناء والنقل. إن التوسع الحضري السريع الذي تم عن طريق مبانٍ ومجمعات سكنية تفتقر لمعايير كفاءة الطاقة أو العزل الحراري، يلقي بأحمال طاقة هائلة على كاهل الدولة والمواطن على حد سواء.

وقد أدى هذا النمو غير المدار إلى اضعاف لمنظومة النقل العام، التي لا تسد الاحتياجات الحقيقية للمواطنين. النتيجة الحتمية كانت الاعتماد المفرط على المركبات الخاصة، مما حول شوارعنا إلى ساحات للازدحامات المرورية المزمنة، وتسبب في تلوث بيئي مستمر، وهدر ملايين الساعات من الإنتاجية الوطنية في طوابير السير. ان ما يجب أن ندركه جميعاً هو أن قدرتنا على التعامل مع تبعات كل ذلك في المستقبل ستكون أكثر صعوبة، بل قد تصبح مستحيلة. إن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لإصلاح خطأ تخطيطي واحد نتغاضى عنه اليوم، ستتضاعف عشرات المرات بعد سنوات قليلة قادمة.

يمتلك الأردن موارد حقيقية لا تنضب، وهي الطاقات البشرية الخلاقة والعقول الهندسية والادارية و القانونية. نحن قادرون على تفعيل سياسات واستراتيجيات وطنية تستخدم الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحديثة، وأدوات الابتكار، ليس فقط لإدارة الموارد وترشيدها، بل لصناعة قيمة مضافة تحول التحديات إلى فرص للازدهار الاقتصادي والتنمية المجتمعية الشاملة.

علينا إيجاد أنماط جديدة من الإدارة التشاركية التي تدمج طاقات المجتمع. إن مستقبل النمو والازدهار في الأردن يتوقف حرفياً على قدرتنا اليوم، وليس غداً، على صياغة تخطيط فعال، متكامل، يركز على الإنسان أولاً، ويحمي البيئة ثانياً. الوقت يداهمنا، والخيارات تضيق، وعلينا أن نختار بين التخطيط الشجاع الآن، أو مواجهة الكارثة الحضرية غداً. الأجيال القادمة لن تملك ترف الوقت ولا الموارد لإصلاح هذه التركات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :