الكمنجات الطائرة وفزاعات الكروم
رمزي الغزوي
16-07-2026 12:33 AM
أيتها العصافير النفورة الخائفة حتى من همس ظلها على الأرض. أيتها الكمنجات الطائرة في صحن الفجر، المشتاقة إلى عسل بات قاب قبلتين أو أشهى. تعالي سريعا قبل أن تحمرَّ عينُ الشمس، وتحرق عينك، تعالي شاركيني نشوة العنب.
لا تخافي من تلك الفزاعات التي ينصبها أصحاب الكروم، هي ليست إلا خشبة بلهاء، غبية، يلبسونها ثيابهم العتيقة وقبعاتهم المهترئة، وربطات أعناقهم المحالة على التقاعد. لا تخافي أيتها العصافير حتى لو حركتها الريح وأحدثت ضجيجاً. اقتحميها وخذي استراحة آمنة في صيوان أذنها، ولكن لا تقولي إني أفشيت لك حيلة أهل الكروم وفزاعاتهم.
فهذي كرومنا أيتها الكمنجات تعلن عن نضجها الجديد تحت ضربات قيظ تموز؛ فتعالي واغمسي مناقيرك في حبات تتخمها الحلاوة. اشربي حدّ الارتعاش لقاء تغريدة تبثينها في صباحاتنا العاشقة، علَّ لحنك يمحو شيئاً من قبح عالم بات خانقاً فوق العادة. وبات لا يطاق فوق العادة.
هو العنب أيها العالم، صوت الذهب المتكور بين عروق الدوالي ككنز دفين ثمين. الدوالي أمهات طيبات لا يأمن على قطوفهن شمساً أو ليلاً؛ ولهذا تلف الواحدة منهن عناقيدها كرضيع أشبعته من دفئها وروحها حتى نام كحلم شفيف خفيف.هي الكروم أيها العاشقون. آوان السمر تحت عرائشها المشرعة لنسيم يتسلل من بحر بعيد. هي الذكريات الراسخات عن عناء لذيذ، كنا نقاربه من أول صوت المؤذن وبعد الندى، فننفض بقايا النوم، ونشرع ننتقي أزكى العناقيد كقصيدة، وبعد أن نستريح نشق من الرغيف فلقة نلفّ بها حبة عنب غسلها الندى، لفاً رشيقاً ليكون فطورنا الذي لا ينسى. فصباح سندويشة العنب الصغيرة، يا أمي، صباح النهارات الحنوية يا أرضنا الحبيبة.
حتى بيوتنا لا تستقيم بلا تثني الدوالي وتمددها كجدائل الصبايا على سطوحها، وكم كنا نعرِّش لها العرائش، ونهيئ مكانا لتتمدد، وحين كنا ننام في أفياء شعر الليل ونتتبع نجومه الناعسة، كنا نتحسس مواطن ثآليلنا المفترضة، عناداً بتخويف الجدات اللواتي يمنعننا أن نعدَّ النجوم، ثم نمعن بقياس حلاوة الثريا من فوقنا، بخصلة عنقود يتدلى، فيا طيبك من ليل أبهجه العنب.
الدستور