ما وراء تعديل قانون الملكية العقارية؟
د. جعفر النسور
16-07-2026 05:26 PM
يقال في علم الاقتصاد أن السوق تحكمه قوى العرض والطلب، لكن هذه المقولة تظل ناقصة ما لم يُضف إليها عنصر لا يقل أهمية، وهو التشريع. فالأسواق لا تنمو بالتمويل وحده، ولا تتراجع بسبب نقص الطلب فقط، وإنما تتأثر أيضًا بالقواعد التي تنظمها. وفي القطاع العقاري على وجه الخصوص، قد يفتح تعديل تشريعي نافذة لاستثمارات جديدة، أو يزيل عائقًا طال أمده، أو يعيد تشكيل أولويات المستثمرين.
بعد قراءة التعديلات المقترحة على قانون الملكية العقارية، يتضح أنها لا تقف عند حدود إعادة ترتيب الإجراءات أو معالجة جوانب تنظيمية محددة، بل تتجه إلى إعادة صياغة جزء مهم من البيئة التي يعمل ضمنها القطاع العقاري. فالتسهيلات المرتبطة بتبسيط المعاملات، ورقمنة الإجراءات، وتسريع عمليات البيع والإفراز، إلى جانب تنظيم بعض الجوانب التي تمس الاستثمار والتطوير العقاري، والاستملاك، تعكس محاولة للانتقال من إدارة العقار إلى التعامل معه كأداة اقتصادية.
يُعد تنظيم البيع والإفراز على المخطط من بين التعديلات التي تحمل دلالة اقتصادية مهمة، لأنها لا تنظر إلى العقار باعتباره منتجًا نهائيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من دورة استثمارية تبدأ قبل اكتمال البناء. فإتاحة مثل هذا النوع من البيع تمنح المطور العقاري مساحة أكبر في إدارة المشروع وتوفير السيولة اللازمة لتنفيذه، كما تقلل من الاعتماد الكامل على مصادر التمويل التقليدية، وتسرّع انتقال المشروع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.
ومن شأن شرعنة هذا النوع من البيع أن تُسهم أيضًا في تنشيط حركة التطوير العقاري، وإعادة الحيوية إلى قطاع الإسكان والإنشآت، من خلال زيادة المعروض من الوحدات السكنية والتجارية، وتعزيز قدرة السوق على تلبية الطلب المتزايد. كما قد ينعكس ذلك على مستويات الأسعار نتيجة اتساع نطاق المشاريع وازدياد المنافسة بين المطورين العقاريين، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن في السوق.
لكن الأثر الاقتصادي لا يتوقف عند توفير أداة تمويل جديدة للمطورين، بل يعتمد بدرجة أساسية على وضوح القواعد التي تنظّم العلاقة بين المطور والمشتري. فالثقة هي العنصر الحاسم في أي سوق، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بشراء أصل لم يكتمل بعد. وكلما كانت التشريعات أكثر وضوحًا في تحديد الحقوق والالتزامات، أصبحت هذه الأداة وسيلة لتوسيع السوق وتحفيز الاستثمار، بدلًا من أن تتحول إلى مصدر لمخاطر أو نزاعات قد تضعف ثقة المتعاملين.
توجد مساحات شاسعة من الأراضي وعدد كبير من العقارات بقيت لسنوات خارج دائرة المنفعة، بسبب تعقيدات الإفراز، وتعدد الشركاء، وصعوبة الوصول إلى توافق بين المالكين. وهذه الأراضي والعقارات لا تمثل فقط ملكيات غير مستغلة، بل تعد فرصاً اقتصادية معطلة، إذ تبقى الثروة العقارية مجمدة بدلاً من أن تتحول إلى مشاريع وحركة اقتصادية منتجة.
إن تسريع إجراءات الإفراز وإزالة الشيوع ضمن التعديلات المقترحة يتعامل مع مشكلة اقتصادية ظلت تعيق الاستفادة من مساحات واسعة من الأراضي والعقارات. فبقاء الأصل مملوكًا على الشيوع بين عدد كبير من الشركاء قد يحول دون تطويره أو استثماره، ليس بسبب غياب القيمة الاقتصادية، وإنما بسبب صعوبة الوصول إلى قرار مشترك يسمح بتحويل هذه القيمة إلى نشاط اقتصادي منتج.
ومن بين التحولات المهمة التي يحملها مشروع القانون تعزيز دور المعلومات في تنظيم السوق العقاري، من خلال توفير قاعدة بيانات متكاملة تساعد على فهم حركة السوق واتجاهاته. فالعقار لم يعد يعتمد على الأرض ورأس المال فقط، بل أصبحت المعلومة الدقيقة عاملاً أساسياً في اتخاذ القرار الاستثماري.
ويمتد أثر مسودة التعديلات إلى الجانب الإداري من خلال إدخال التحول الرقمي الكامل في معاملات دائرة الأراضي والمساحة، بدءاً من تقديم الطلبات إلكترونياً، مروراً بالتوقيع والبيع الإلكتروني والتبليغات الرقمية، وصولاً إلى إصدار الوثائق واعتماد وسائل الدفع الإلكتروني وتسجيل سند الملكية.
هذا التحول في تحديث آليات تقديم الخدمة يمثل نقلة نوعية نحو منظومة عقارية أكثر سرعة وشفافية وكفاءة. فقد أصبحت سرعة إنجاز المعاملات ووضوح الإجراءات من العوامل الأساسية المؤثرة في جاذبية السوق العقاري، إذ إن ارتفاع كفاءة الخدمات يسهم في تحسين تجربة المتعاملين وتعزيز مستوى الثقة بالقطاع، بما يدعم نموه واستدامته.
من هنا، فإن تطوير القطاع العقاري لا يرتبط بقانون الملكية العقارية وحده، بل يتطلب انسجامه مع التشريعات المرتبطة به، وفي مقدمتها قانون ضريبة الأبنية والأراضي. ولعل الجدل الذي أُثير حول مشروع هذا القانون ، وما ارتبط به من نقاشات بشأن آلية احتساب الرسوم، وانتهى إلى سحبه من قبل الحكومة، يعكس حساسية أي تعديلات تمس الأعباء المالية المرتبطة بالاراضي والعقار. لذلك، فإن أي توجه نحو زيادة الرسوم أو الأعباء الضريبية، بغض النظر عن آلية احتسابها، يحتاج إلى دراسة دقيقة لتأثيراته الاقتصادية، حتى لا تؤدي تلك الإجراءات إلى إضعاف أهداف الإصلاح في قانون الملكية العقارية أو الحد من أثرها في تحفيز الاستثمار وتنشيط السوق العقاري.
فالضرائب والرسوم تعد جزءاً أساسياً من حسابات الجدوى الاقتصادية لأي مشروع عقاري، إذ يحتسب المستثمر جميع الالتزامات المالية قبل اتخاذ قراره بالدخول في أي مشروع جديد. كما أن المشتري النهائي يضع هذه التكاليف ضمن قدرته الشرائية عند الإقدام على شراء أرض أو عقار، وقد يؤدي ارتفاع الأعباء المالية إلى تأجيل بعض قرارات الشراء، بما ينعكس على حجم التداول ومستوى النشاط في السوق العقاري.
وتمثل هذه التعديلات فرصة مهمة لتطوير القطاع العقاري وتحويله إلى محرك أكبر للنمو الاقتصادي. غير أن نجاحها سيظل مرهونًا بمدى جاهزية النظام الإلكتروني لدعم التحول الرقمي الشامل، ووضوح التعليمات، وسرعة الإجراءات، وتحقيق التوازن بين حماية حقوق المواطنين وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار.