facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأحزاب المعلبة .. حين تتحول السياسة إلى سلعةٍ جاهزة


محمد مطلب المجالي
17-07-2026 09:33 AM

ليست كل ولادةٍ ميلادًا، وليست كل لافتةٍ حزبًا، وليست كل كثرةٍ دليلَ عافية. فكم من كيانٍ وُلد على الورق، ومات قبل أن يسمع الناس نبضه، وكم من حزبٍ رُفع اسمه عاليًا، بينما ظل مشروعه حبيس الشعارات، لا يملك من السياسة إلا اسمها، ولا من الوطن إلا عنوانه.

لقد أراد الأردنيون حياةً حزبيةً ناضجة، تصنع القيادات، وتنتج البرامج، وتفتح أبواب المشاركة السياسية أمام الكفاءات. لكن ما نشهده في كثير من الأحيان هو أحزابٌ معلبة، جاهزة، لا لون فكريًا يميزها، ولا طعمًا سياسيًا يعرفها، ولا رائحة مشروعٍ وطني تجعل الناس تلتف حولها. كثرتها لافتة، أما أثرها فشحيح، وحضورها في وجدان الناس ما يزال محدودًا.

يقول الله تعالى: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. ولم يقل: الحاملين الغيظ. فالكاظم يمضي ثابت الخطى، مطمئن النفس، أما حامل الغيظ فتثقله أحقاده، فيتعثر قبل أن يبلغ غايته. وهذه ليست موعظةً فردية فحسب، بل قاعدةٌ في بناء المجتمعات والدول؛ فالأوطان لا تُبنى بالأحقاد، ولا تنهض بمن يحمل في صدره ثأرًا مؤجلًا أو حسابًا شخصيًا يريد تسويته تحت مظلة العمل العام.

لقد ابتلينا بأمراضٍ نفسية واجتماعية عطلت مسيرتنا؛ رؤوسٌ متآلفة، وقلوبٌ متنافرة، ومجالس تجمعها المصالح، وتفرقها المبادئ. فإذا اجتمعت الأيدي لم تصنع معجزة، وإذا أبحرت السفن بربابنةٍ مختلفين غرقت قبل أن ترى المرافئ.

خفّت خطى موسى عليه السلام فوق البحر فنجا بإذن الله، وأثقلت الكبرياء فرعون فغرق. وما بين النجاة والهلاك خطوة، لكنها خطوة تصنعها النيات قبل الأقدام. وقبل الرماية تُعد الكنائن، وقبل المسير تُرتب الصفوف، وقبل بناء الأحزاب تُبنى الثقة، ويُصاغ المشروع الوطني، وتُقدَّم المصلحة العامة على نزوات الأفراد.

لقد جاء الخطاب الداعي إلى تأسيس الأحزاب في كثير من مراحله مرتبكًا، يفتقر إلى الصراحة والوضوح، وكأن المطلوب زيادة الأعداد لا جودة التجربة. والعقيم لا يلد مستقبلًا، ولا يبشر بغدٍ أفضل. ولسنا زكريا عليه السلام حتى ننتظر معجزةً تلد "يحيى الوطن" من رحم العقم السياسي.

إن أخوف ما نخشاه أن تتحول بعض الأحزاب إلى كلمة حق يراد بها باطل، وإلى مظلات لتصفية الحسابات، وتبادل المصالح، وإحياء الخصومات القديمة بثياب سياسية جديدة. عندها يصبح المواطن وقودًا لمعركة لا تخصه، ورصاصةً في بندقية صدئت منذ زمن، يطلقها من لا يملك مشروعًا، بل يحمل في داخله رغبةً في الانتقام أو تصفية الإرث الشخصي.

إن التاريخ لا يرحم، ولا يجامل، ولا يقبل الرشوة. يكتب أسماء الرجال الذين صنعوا الأوطان، ويحذف من صفحاته أولئك الذين ظنوا أن الشعارات تغني عن الإنجاز، وأن كثرة الظهور تكفي لصناعة المجد. فالتاريخ لا يخلد الأسماء العابرة، بل يخلد أصحاب الرسالات.

ولذلك، فإن الحكمة تقتضي الوقوف مليًا أمام التجربة، ومراجعة مسارها، وإعادة تأهيل الأحزاب التي تمتلك إرثًا سياسيًا ورؤيةً واضحة، بدل الإغراق في إنتاج أحزابٍ بلا هوية، تتكاثر عددًا، وتتضاءل أثرًا، حتى أصبحت عند كثير من الناس مجرد عناوين لا تحرك وجدانًا، ولا تبني ثقة، ولا تصنع أملًا.

فالوطن أكبر من حزب، وأبقى من الأشخاص، وأسمى من المصالح الضيقة. والسياسة الحقة ليست وسيلةً للثأر، ولا بابًا للمكاسب، وإنما شرفُ خدمة، وصدقُ انتماء، ومسؤوليةٌ أمام الله والوطن والتاريخ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :