هل يقود اغتيال سياسي كبير إلى حربٍ إقليمية؟ وهل يقف العالم على أعتاب «11 سبتمبر» جديد؟
سمير حمدان - بودابست
17-07-2026 10:28 AM
الرصاصة التي قد تغير الشرق الأوسط
ينطلق هذا التحليل من التحذير الإسرائيلي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تهديد محتمل باغتياله، وما قد يثيره مثل هذا التحذير من تساؤلات حول كيفية تعامل الدول مع الأزمات الكبرى إذا تحولت التهديدات إلى أحداث فعلية .
لا يبدأ التاريخ دائمًا بإعلان حرب، بل قد يبدأ برصاصة، أو انفجار، أو اغتيال يهز وعي العالم قبل أن تتضح حقائقه، وفي مثل هذه اللحظات لا يبقى الحدث مجرد جريمة معزولة، بل يتحول إلى اختبار لقدرة الدول على إدارة الأزمات، ولقدرة المجتمعات على التمييز بين الوقائع والروايات، والسؤال الأخطر ليس فقط من سقط، بل كيف سيُفسَّر سقوطه، ومن سيصوغ الرواية الأولى، وهل ستُبنى القرارات الكبرى على أدلة مكتملة، أم على انفعالات اللحظة، لأن الرواية التي تولد في الساعات الأولى قد ترسم مسار السياسة قبل أن يقول التحقيق كلمته .
يعيش الشرق الأوسط منذ سنوات في حالة توتر مزمن، تتداخل فيها الحروب المباشرة مع الصراعات غير المعلنة، فالحرب في غزة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتصبح اختبارًا للقانون الدولي، ولمصداقية المؤسسات الأممية، ولحدود الدعم الغربي لإسرائيل، وفي الوقت نفسه يستمر التنافس بين إيران وإسرائيل عبر وسائل متعددة، تشمل الردع العسكري، والعمليات السرية، والضغوط الدبلوماسية، بينما تحاول الولايات المتحدة الموازنة بين التزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل، ورغبتها في تجنب مواجهة إقليمية واسعة قد تهدد مصالحها الاستراتيجية، واستقرار أسواق الطاقة، وهو ما يجعل أي تطور كبير في المنطقة موضع اهتمام دولي واسع .
ضمن هذا السياق، قد يشكل اغتيال شخصية سياسية أمريكية بارزة نقطة تحول بالغة الخطورة، ليس لأن المسؤولية ستتضح فورًا، بل لأن الضغوط السياسية والإعلامية قد تدفع نحو بناء روايات متسارعة قبل اكتمال التحقيقات، وتُظهر تجارب تاريخية أن الصدمات الكبرى كثيرًا ما تولد مطالب بردود حاسمة، وقد تتحول الساعات الأولى بعد الحدث إلى المرحلة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، وتوجيه النقاش السياسي، وصنع القرار، لذلك تبقى الأولوية لإثبات الوقائع بالأدلة، لا لترجيح الاتهامات استنادًا إلى الخصومات السياسية، أو الانطباعات المسبقة، أو الضغوط الجماهيرية التي ترافق الأحداث الاستثنائية .
ويؤكد التاريخ الحديث أن الأزمات الكبرى قد تعيد رسم السياسات الداخلية والخارجية للدول، فقد أدت هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى تحولات واسعة في التشريعات الأمنية، والسياسات العسكرية، والعلاقات الدولية، ولا تعني المقارنة هنا تشابه الوقائع أو الأطراف، وإنما الإشارة إلى آلية متكررة في السياسة الدولية، حيث يستطيع حدث استثنائي أن يغير أولويات الحكومات، ويوسع هامش قراراتها، ويعيد صياغة النقاش العام، ويمنح المؤسسات التنفيذية صلاحيات أكبر تحت ضغط الخوف، وهو ما يجعل المحافظة على التوازن بين الأمن وسيادة القانون تحديًا دائمًا في أوقات الأزمات الكبرى .
ومن هنا تبرز أهمية التعامل بحذر مع المعلومات الأولى التي ترافق الأزمات، فالمنصات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة قادرة على نشر رواية خلال دقائق، بينما يحتاج التحقيق المهني إلى وقت أطول لجمع الأدلة، وفحصها، ومراجعتها، وإذا أصبحت الرواية الأولية حقيقة راسخة في أذهان الجمهور قبل اكتمال التحقيق، فإن تصحيحها لاحقًا يصبح أكثر صعوبة، مهما كانت النتائج النهائية، ولهذا فإن استقلال القضاء، وشفافية التحقيقات، وحرية الصحافة المهنية، تمثل جميعها خطوط الدفاع الأولى عن الحقيقة، وتمنع الانفعال من أن يتحول إلى أساس لقرارات مصيرية .
وفي حال تطور أي أزمة من هذا النوع إلى مواجهة عسكرية، فإن آثارها لن تقتصر على أطراف الصراع المباشرين، فقد تمتد تداعياتها إلى أمن الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، والاقتصادات الهشة، وحركة التجارة العالمية، وقد تؤدي إلى اضطرابات مالية، وارتفاع تكاليف النقل، وزيادة الضغوط الإنسانية، كما قد تدفع دولًا كثيرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية، في وقت يعاني فيه النظام الدولي أصلًا من أزمات متشابكة، واستقطابات حادة، وتحديات تجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة من أي وقت مضى .
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الدول لا تُقاس بسرعة ردود أفعالها فقط، بل بقدرتها على حماية الحقيقة في أكثر اللحظات اضطرابًا، فالحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بإطلاق النار، بل قد تبدأ برواية غير مكتملة، أو باستنتاج متعجل، أو بقرار اتُّخذ قبل اكتمال الأدلة، ولذلك فإن التمسك بالتحقيق المستقل، والرقابة المؤسسية، والإعلام المهني، واحترام القانون الدولي، ليس مجرد موقف أخلاقي، بل ضرورة سياسية لحماية الاستقرار، ومنع الأزمات من التحول إلى صراعات أوسع، لأن المجتمعات التي تمنح الحقيقة وقتها، وتحاسب القرارات بمعيار الدليل، تكون أكثر قدرة على تجنب الانزلاق إلى مواجهات يدفع الجميع ثمنها .