حين تصبح الاستقالة تصويتاً صامتاً ضد الإدارة .. لماذا يترك الأردنيون وظائفهم؟
م. سعيد المصري
17-07-2026 01:23 PM
أثار التقرير الموجز الذي أصدره منتدى الاستراتيجيات الأردني بعنوان «لماذا يترك الأردنيون وظائفهم؟» سؤالاً يتجاوز حدود سوق العمل وأرقام الاستقالات، ليصل إلى طبيعة الإدارة داخل المؤسسات الأردنية، ومدى قدرتها على توفير بيئة عمل تحترم الموظف وتحافظ على أصحاب الكفاءة والخبرة.
وتكمن أهمية التقرير في أنه يستند إلى بيانات رسمية صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، تشير إلى ارتفاع عدد الذين تركوا وظائفهم من نحو 42.7 ألف عامل عام 2008 إلى أكثر من 94.4 ألفاً عام 2024. لكن الرقم الأكثر دلالة هو ارتفاع نسبة من تركوا وظائفهم بسبب «ظروف العمل وطبيعته» من 35% عام 2008 إلى 62.2% عام 2024، ثم إلى نحو 70% في النصف الأول من عام 2025.
هذه الأرقام تعني أن المشكلة لم تعد محصورة في تدني الأجور أو البحث عن فرصة أفضل، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بما يواجهه الموظف داخل المؤسسة نفسها: أساليب الإدارة، وعدالة التقييم، وفرص التطور، وساعات العمل، وطبيعة العلاقة بين الإدارة والعاملين، ومدى احترام كرامة الموظف ومهنيته.
وقد أحسن منتدى الاستراتيجيات عندما أشار إلى أن الأردن لا يواجه تحدي خلق فرص العمل فقط، وإنما يواجه أيضاً تحدي تحسين جودة الوظائف. غير أن عبارة «ظروف العمل وطبيعته» تبقى واسعة، وتحتاج إلى تفكيك لمعرفة ما يجري فعلياً داخل عدد من المؤسسات.
عندما يصبح الولاء للمدير بديلاً عن الولاء للمؤسسة
جرت العادة في بعض المؤسسات أن يبدأ المدير الجديد مهمته باختيار مجموعة من المساعدين والمقربين الذين يثق بولائهم الشخصي له، لا بقدرتهم على خدمة المؤسسة أو الإسهام في تحقيق أهدافها.
ولا توجد مشكلة، من حيث المبدأ، في أن يختار المدير فريقاً يثق به وينسجم معه مهنياً؛ فالعمل المؤسسي يحتاج إلى الثقة والتفاهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقة إلى ولاء أعمى، ويصبح القرب من المدير معياراً للتقدم، بديلاً عن الخبرة والكفاءة والجدارة.
عندئذ تبدأ دائرة صغيرة بالتشكل حول الإدارة، تحتكر المعلومات، وتؤثر في القرارات، وتحدد من يُسمع صوته ومن يُهمش، ومن يحصل على الفرص ومن يُستبعد منها. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الدائرة إلى شللية إدارية تدير الشؤون اليومية وفق مصالحها وعلاقاتها، لا وفق الأنظمة والمعايير المهنية.
وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الموظف مطالباً فقط بأن يؤدي عمله بكفاءة، بل يصبح مطالباً أيضاً بأن يثبت ولاءه للأشخاص، وأن يدخل في منافسة غير مهنية لنيل رضا الإدارة، حتى لو كان ذلك على حساب زملائه أو على حساب مصلحة المؤسسة.
المنافسة غير الشريفة لا تصنع مؤسسة ناجحة
المنافسة داخل المؤسسات قد تكون عاملاً إيجابياً عندما تقوم على جودة الأداء، والإبداع، وتحمل المسؤولية، وتحقيق النتائج. لكنها تصبح مدمرة عندما تقوم على التقرب من الإدارة، وحجب المعلومات، وتشويه إنجازات الآخرين، وتبادل الاتهامات، ونقل الأحاديث، ومحاولة إقصاء كل موظف مستقل أو ناجح قد يشكل وجوده إحراجاً للمقربين.
عندما تترك الإدارة المجال لهذا النوع من المنافسة، فإنها لا تدير مؤسسة، بل تدير شبكة من الولاءات المتعارضة. وفي هذه الحالة، ينصرف جزء كبير من طاقة الموظفين إلى حماية مواقعهم، ومراقبة العلاقات الداخلية، وتجنب الصدام مع أصحاب النفوذ، بدلاً من التركيز على الإنتاج والتطوير وخدمة أهداف المؤسسة.
والنتيجة أن الموظف المهني يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يتكيف مع ثقافة لا يؤمن بها، أو أن ينسحب منها. وكثيراً ما تكون الاستقالة في هذه الحالة ليست هروباً من العمل، بل رفضاً لطريقة إدارته.
الفساد المؤسسي يبدأ قبل الفساد المالي
يُختزل الفساد غالباً في الاعتداء على المال العام أو الخاص، لكن هناك شكلاً آخر لا يقل خطورة، هو الفساد في إدارة الموارد البشرية وصنع القرار.
يبدأ هذا الفساد عندما تصبح الولاءات الشخصية أقوى من الأنظمة، وعندما تتقدم المحسوبية على الجدارة، وعندما تستخدم التقييمات والترقيات والمكافآت لمعاقبة المستقلين ومكافأة المقربين.
وقد لا تظهر في هذه المرحلة مخالفة مالية مباشرة، لكن المؤسسة تكون قد بدأت بالفعل بخسارة عدالتها الداخلية، وتدمير ثقة موظفيها، وإقصاء أصحاب المعرفة والخبرة، وإضعاف قدرتها على اتخاذ القرار السليم.
فالفساد المؤسسي لا يبدأ دائماً بسرقة المال، بل يبدأ أحياناً عندما تتراجع سيادة المؤسسة لصالح سيادة الأشخاص، وحين يصبح المدير هو المؤسسة، وتصبح إرادته بديلاً عن نظامها، ويغيب الفصل بين المصلحة المؤسسية والمصلحة الشخصية.
غياب المساءلة يحمي الشللية
لا تستطيع أي مجموعة إدارية أن تتحول إلى مركز نفوذ دائم ما لم تكن هناك فجوة في المساءلة والرقابة. فحين يُمنح المدير صلاحيات واسعة دون مؤشرات أداء واضحة، ودون مراجعة مستقلة لقرارات التعيين والترقية والتقييم، يصبح من السهل استخدام السلطة الإدارية لبناء شبكة من الولاءات.
وقد تبدو المؤسسة من الخارج ملتزمة بأنظمتها، بينما تكون القرارات الفعلية خاضعة لاجتهادات شخصية لا تخضع للمراجعة. وقد توجد تعليمات مكتوبة للتقييم والترقية، لكن تطبيقها يتفاوت بحسب قرب الموظف أو بعده عن دوائر النفوذ.
ولا تكفي الأنظمة وحدها لمنع هذا الخلل؛ فالقضية تتعلق بوجود مجالس إدارة فاعلة، ولجان تدقيق وحوكمة مستقلة، وقنوات تظلم آمنة، ومعايير معلنة للترقيات، ومراجعة دورية لمعدلات دوران الموظفين وأسباب مغادرتهم.
فالمدير الذي يعرف أن قراراته ستخضع للتقييم والمساءلة يتصرف بوصفه مؤتمناً على المؤسسة، أما المدير الذي لا يُسأل عن مغادرة الكفاءات أو تراجع الروح المعنوية، فقد يتعامل مع المؤسسة وكأنها مساحة خاصة لإدارة الولاءات.
المؤسسة تخسر أفضل موظفيها أولاً
في بيئة غير عادلة، لا يغادر الموظفون جميعاً بالدرجة نفسها. ففي العادة يكون أصحاب المهارات والخبرات والقدرة على إيجاد فرص بديلة هم الأكثر قدرة على الرحيل، بينما يبقى من لا يمتلك خياراً آخر، أو من استفاد من شبكة العلاقات القائمة.
وهكذا قد تخسر المؤسسة أفضل عناصرها، وتحتفظ بالأكثر قدرة على التكيف مع ثقافة الولاء الشخصي. ومع مرور الوقت، ينخفض مستوى الأداء، وتضعف القدرة على الابتكار، وتتراجع جودة القرارات، لأن الموظف الكفؤ لا يجد سبباً للبقاء في بيئة لا تقدر إنجازه ولا تحمي استقلاله المهني.
وتتحمل المؤسسة نتيجة ذلك تكاليف إضافية للتوظيف والتدريب، وتفقد الخبرات المتراكمة والذاكرة المؤسسية، وتتراجع إنتاجيتها. ولذلك فإن سوء الإدارة الداخلية ليس شأناً يخص الموظفين وحدهم، بل له كلفة اقتصادية مباشرة على المنشأة وعلى الاقتصاد الوطني.
الاستقالة تصويت صامت
لا يستطيع الموظف دائماً الاعتراض علناً، ولا يثق بالضرورة بأن الشكوى ستؤدي إلى نتيجة عادلة. وقد يخشى أن يتحول اعتراضه إلى سبب إضافي لاستبعاده أو الإضرار بمستقبله الوظيفي.
لهذا تصبح الاستقالة، في كثير من الحالات، وسيلته الوحيدة للاعتراض. إنها تصويت صامت ضد الإدارة، ورسالة لا تقرأها بعض المؤسسات إلا بعد أن تفقد مجموعة من أفضل موظفيها.
ومن هنا، فإن أرقام ترك العمل التي عرضها منتدى الاستراتيجيات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حركة طبيعية في سوق العمل فقط، بل بوصفها مؤشراً يستحق الدراسة على مستوى الحوكمة والثقافة الإدارية داخل المؤسسات.
من قياس البطالة إلى قياس جودة الإدارة
توصية المنتدى بإجراء مسح وطني شامل حول ظروف العمل وطبيعته تمثل خطوة ضرورية، لكن هذا المسح ينبغي ألا يكتفي بالأسئلة التقليدية المتعلقة بالأجر وساعات العمل والسلامة المهنية.
المطلوب أن يقيس أيضاً عدالة التقييم والترقية، واحترام الموظفين، وجودة القيادة، ومدى انتشار المحسوبية، وفاعلية قنوات الشكاوى، وفرص التطور المهني، والثقة بالإدارة، ومدى شعور الموظف بأن إنجازه هو الطريق الحقيقي للتقدم.
كما يمكن تطوير مؤشر وطني لجودة بيئة العمل والحوكمة المؤسسية، يساعد المؤسسات على مقارنة أدائها، ويمنح صانع القرار صورة أدق عن الأسباب التي تؤدي إلى فقدان الكفاءات.
ويمكن أن يشمل هذا المؤشر معدلات دوران الموظفين، ومتوسط مدة بقائهم، ونسب التظلمات، وعدالة الترقيات، واستقلالية التقييم، ومستوى الرضا الوظيفي، ومدى التزام الإدارة بمعايير الجدارة والشفافية.
حماية الكفاءة مسؤولية اقتصادية ووطنية
لا يمكن للاقتصاد الأردني أن يرفع إنتاجيته وتنافسيته إذا كانت مؤسساته غير قادرة على الاحتفاظ بالموظفين المهرة. ولا يمكن الحديث عن تنمية رأس المال البشري بينما تُقصى الكفاءات داخل بعض المؤسسات بسبب استقلالها المهني، أو لأنها ترفض الدخول في دوائر الولاء والشللية.
إن تحسين بيئة العمل لا يتحقق بالشعارات أو المناسبات الاجتماعية، بل ببناء إدارة تحترم الموظف، وتكافئ الإنجاز، وتخضع للمساءلة، وتمنع احتكار القرار، وتضمن أن تكون المؤسسة أكبر من مديرها وأبقى من فريقه.
وقد وضع تقرير منتدى الاستراتيجيات الأردني أمام الدولة والقطاع الخاص مؤشراً مهماً: الأردنيون لا يتركون وظائفهم بسبب الأجور وحدها، بل إن أعداداً متزايدة منهم تغادر بسبب ظروف العمل وطبيعته.
أما السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه المرحلة المقبلة فهو: كم موظفاً كفؤاً خسرته مؤسساتنا، ليس لأنه فشل في أداء عمله، بل لأن بيئة الإدارة فشلت في احترام كفاءته؟
عندما نجيب عن هذا السؤال بصدق، ندرك أن إصلاح سوق العمل لا يبدأ فقط بإنشاء وظائف جديدة، بل يبدأ أيضاً بحماية الوظائف القائمة من سوء الإدارة، وحماية المؤسسات من الشللية، وحماية الكفاءات من الإقصاء.