في ذكرى مرور 75 عاماً على استشهاد الملك المؤسس
الدكتور عزمي حجرات
21-07-2026 11:28 AM
* قراءة موضوعية في جذور المؤامرة، بهتان التخوين، وحقائق التاريخ المنسية
تتزامن هذه الأيام مع الذكرى الخامسة والسبعين لاستشهاد بطل الدم والكرامة، الملك المؤسس عبد الله بن الحسين، الذي اغتيل على عتبات المسجد الأقصى المبارك في العشرين من تموز عام .1951هذه الذكرى الأليمة ليست مجرد محطة لاستذكار رجل أسس دولة وسط رمال إقليم متحرك وبحور من العواصف، بل هي مناسبة وطنية وتاريخية ملحة لفك طلاسم المرحلة الأشد تعقيداً في تاريخ العرب الحديث: مرحلة نكبة عام 1948 وما رافقها من تسطير أحكام قاسية وظالمة اتخذت من الأردن "كبش فداء" سياسي وإعلامي.
أولاً: الجغرافيا والمؤسسات.. حدود القدرة في وجه الإرادة الدولية
عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها المشؤوم رقم (181) في التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 القاضي بتقسيم فلسطين، كانت إمارة شرق الأردن دولة ناشئة حديثة الاستقلال (نالت استقلالها الكامل في ربيع عام 1946. لم تكن الإمارة عضواً في المنظمة الدولية لامتلاك صوت أو حق نقض )فيتو)، ولم تكن تملك من مقدرات القوة العسكرية أو الاقتصادية ما يؤهلها لفرض معادلة ردع إقليمية قادرة على تعطيل إرادة دولية كبرى حشدت لها واشنطن وموسكو كل ثقلهما الدبلوماسي والسياسي والإكراهي.
لقد كانت البلاد محكومة بمعاهدات تحالف وبقدرات عسكرية محدودة قوامها الجيش العربي، وكان جلّ همّ القيادة تأمين الحدود وحماية الأرواح في بيئة إقليمية ودولية عاصفة.
ثانياً: أسطورة "التفرد بالخيانة" وسقوط سردية المكيالين
لقد دأبت الخطابات القومية الحزبية والشعبوية المتعاقبة، طوال عقود الخمسينيات والستينيات وما بعدها، على تصوير الأردن وكأنه الطرف العربي الوحيد الذي أجرى اتصالات أو تفاهمات سرية خلال حرب 1948 وما بعدها، لتتخذ من هذه الاتصالات ذريعة جاهزة لتوزيع تهم الخيانة. لكن وثائق الأرشيفات التاريخية والدبلوماسية المفرج عنها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن دبلوماسية الظل كانت السمة العامة والبراغماتية لكل الأنظمة العربية المعنية بالصراع:
• لبنان: شهدت العاصمة الفرنسية باريس مفاوضات سرية مكثفة قادها رئيس وزراء لبنان آنذاك، رياض الصلح، مع ممثلي الكيان الناشئ في أواخر عام 1948 لبحث ترتيبات أمنية وحدودية.
• مصر: خاضت مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء في أروقة الأمم المتحدة، وصولاً إلى المفاوضات المباشرة تحت إشراف دولي في جزيرة رودس عام 1949 والتي أفضت إلى اتفاقية الهدنة.
• سوريا والعراق: استخدمت قنوات اتصال غير مباشرة عبر وسطاء وتجار ودبلوماسيين أجانب لاستطلاع النوايا وإدارة الأزمات الميدانية.
إذن، لم يكن الاتصال استثناءً أردنياً، بل كان سلوكاً اضطرارياً مارسته كافة الأطراف التي أدركت عجزها الميداني. الفرق الوحيد يكمن في أن الأردن، بحكم التماسه الجغرافي المباشر مع فلسطين وقراره التاريخي الشجاع بإنفاذ "وحدة الضفتين" عام 1950 لحماية ما يمكن حمايته وصيانة الأماكن المقدسة، تحمّل وحده وزر الجغرافيا والتاريخ، بينما تفرغت الأنظمة الأخرى لتصدير أزماتها وإخفاقاتها العسكرية عبر المزايدات الإعلامية.
ثالثاً: وجع الجغرافيا وبوتقة المسؤولية التاريخية
بينما انسحبت بقية الجيوش العربية تدريجياً إلى حدودها الوطنية أو تورطت في صراعات وانقلابات داخلية، وبقي الآخرون يتنصلون من أعباء إدارة ما تبقى من أرض فلسطين (حيث تخلصت مصر من قطاع غزة لاحقاً وتحولت نحو تسويات منفردة(، ظل الأردن ملتصقاً بهموم القضية ومقدساتها، دافعاً ضريبة الدم والوجود على خطوط التماس المباشر. لقد استغلت التيارات الإيديولوجية هذه التضحيات لقلب الحقائق وتأطير الاتصالات السياسية والواقعية للملك المؤسس ضمن حملة منهجية للنيل من شرعية الدولة الأردنية ودورها القومي التاريخي.
رابعاً: مرافعة التاريخ.. من الاتهام إلى الإنصاف
بعد خمسة وسبعين عاماً على استشهاد الملك المؤسس، وأمام تداعي الروايات الشعبوية وسقوط الشعارات الزائفة، تقف الحقيقة التاريخية صلبة وواضحة: لم يكن الأردن خائناً ولا مقصراً في حدود قدراته وطاقاته، بل كان حارس الثغور الأمين الذي تحمّل وحدات أعباء لا تقوى عليها الدول الكبرى. إن تفكيك هذه المحاضر التاريخية بموضوعية وتجرد يعيد الاعتبار للرواية الأردنية الوطنية، ويسقط إلى الأبد أوراق التخوين الرخيصة، ليظل الأردن الهاشمي سنداً أبدياً لفلسطين، وفياً لدم شهدائه، وفي مقدمتهم مؤسس الكيان والعرش الذي سقى بدمه ثرى القدس الشريف.