facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا تصبر الدول العربية على إيران .. وهل يقترب زمن الرد؟


د. عبدالحفيظ العجلوني
23-07-2026 10:57 AM

* قراءة في حسابات الردع والصبر الاستراتيجي ومستقبل الأمن الإقليمي

في العلاقات الدولية، لا يُعد الامتناع عن الرد على الاستفزازات أو التهديدات دليلًا بالضرورة على العجز، كما أن اللجوء إلى القوة ليس دائمًا مؤشرًا على الثقة بالنفس. فالدول، بخلاف الأفراد، تبني قراراتها على موازين دقيقة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والتحالفات والاستقرار الداخلي والمصالح بعيدة المدى. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية: لماذا تبدو دول الخليج العربية والأردن، في كثير من الأحيان، متحفظة في ردودها على الضغوط أو التهديدات الإيرانية؟ وهل يعكس ذلك سياسة دائمة، أم أنه يمثل مرحلة من “الصبر الاستراتيجي” قد تنتهي إذا تبدلت الظروف؟

تشير معظم الدراسات الصادرة عن مراكز البحوث الاستراتيجية إلى أن الإجابة لا تكمن في ميزان القوة العسكرية وحده، بل في طبيعة البيئة الأمنية في الخليج العربي والأردن، حيث لا يقتصر أثر أي صراع على أطرافه المباشرين، وإنما يمتد سريعًا إلى أسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي والدولي. ولهذا أصبحت إدارة الأزمات واحتواؤها، لا تعظيمها، هدفًا استراتيجيًا لدى كثير من الدول العربية المعنية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن كلفة الحرب الشاملة قد تتجاوز بكثير أي مكاسب سياسية أو عسكرية محتملة.

وتتفق الأدبيات الاستراتيجية على أن دول الخليج والأردن لا تتعامل مع الأمن بمنطق “الرد الفوري”، وإنما بمنطق تحقيق أفضل نتيجة بأقل كلفة ممكنة. فالحرب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ والطائرات، وإنما بما قد تخلّفه من تعطيل للاقتصاد، وتهديد للاستثمار، وإرباك لأسواق الطاقة، وتراجع في ثقة الأسواق العالمية. ومن هذا المنطلق، يصبح ضبط النفس في كثير من الأحيان خيارًا مدروسًا، وليس تنازلًا أو ضعفًا؛ إذ إن القوة الحقيقية قد تتمثل في امتلاك القدرة على اختيار توقيت الرد وطبيعته، لا في مجرد سرعة استخدام القوة دون حساب لتداعياتها.

وتعزو الدراسات هذا النهج إلى مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية المتشابكة. فأي مواجهة واسعة في الخليج لن تبقى محصورة في بعدها العسكري، بل قد تمتد آثارها إلى البنية التحتية للطاقة والموانئ والمطارات، بما ينعكس على الاقتصاد العالمي قبل أن ينعكس على أطراف الصراع أنفسهم. كما أن امتلاك إيران قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء الإقليميين، يجعل أي مواجهة أكثر تعقيدًا من الحروب التقليدية، ويرفع من احتمالات اتساعها جغرافيًا وسياسيًا.

وفي المقابل، استطاعت دول الخليج، خلال العقود الماضية، بناء اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار وجذب الاستثمار، وهي تدرك أن الحروب الطويلة قد تقوض جانبًا مهمًا من هذه الإنجازات. أما الأردن، فإن موقعه الجيوسياسي وتشابك بيئته الأمنية مع محيطه الإقليمي يجعلان الاستقرار أولوية وطنية لا تقل أهمية عن الاعتبارات العسكرية، وهو ما يفسر ميله إلى دعم المسارات الدبلوماسية كلما كانت قادرة على احتواء الأزمات. ويضاف إلى ذلك أن معظم الدول العربية تفضل أن يكون أي رد جزءًا من منظومة ردع جماعية وتحالفات إقليمية ودولية، لا قرارًا منفردًا قد يفتح الباب أمام تصعيد يصعب احتواؤه.

غير أن هذا الخيار لا يخلو من تحديات، إذ إن فعاليته لا تعتمد فقط على حسابات الدول التي تنتهجه، وإنما أيضًا على الكيفية التي يفسر بها الخصم هذا السلوك. وهنا تنقسم المدارس الاستراتيجية. فبعضها يرى أن ضبط النفس يمنح الدبلوماسية فرصة للعمل ويحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا يرغب فيها أحد، بينما ترى مدرسة أخرى أن الردع لا يكتمل إلا إذا اقترن الصبر بخطوط حمراء واضحة لا يجوز تجاوزها. فإذا اعتقد الخصم أن ضبط النفس دائم وغير مشروط، فقد يفسره على أنه تراجع في الإرادة السياسية، لا مجرد خيار تكتيكي.

ولهذا تؤكد كثير من الدراسات أن الصبر الاستراتيجي لا ينجح إلا إذا استند إلى قوة عسكرية موثوقة ورسائل ردع واضحة تجعل الجميع يدرك أن الامتناع عن الرد هو قرار سيادي محسوب، وليس تعبيرًا عن عجز.

ومن هذا المنطلق، لا تستبعد الدراسات أن تصل الدول إلى مرحلة تعيد فيها تقييم سياسة الاحتواء إذا أصبحت كلفة الاستمرار فيها أعلى من كلفة الانتقال إلى سياسة أكثر صرامة. فالدول لا تتحرك عادة بانفعال بسبب حوادث محدودة لا تؤثر في مسار الحياة العامة، وإنما عندما تتراكم الوقائع إلى حد تمس فيه السيادة الوطنية، أو تُستهدف المنشآت الحيوية بما يهدد الأمن الوطني والاقتصاد، أو عندما يثبت أن الأدوات الدبلوماسية لم تعد تحقق أثرًا رادعًا، بالتزامن مع توافر مظلة إقليمية ودولية تقلل من مخاطر التصعيد. عندها قد تنتقل السياسة من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الردع النشط.

ومع ذلك، لا ترجح غالبية الدراسات أن يكون هذا الرد، إن وقع، على هيئة حرب شاملة، لأن هذا الخيار يظل الأعلى كلفة على جميع الأطراف. فالسيناريو الأكثر واقعية يتمثل في ردود محسوبة ومتدرجة، تشمل تشديد الضغوط السياسية والدبلوماسية، وتعزيز القدرات الدفاعية الجوية والبحرية، ورفع مستوى التنسيق العسكري والاستخباراتي، واستخدام أدوات اقتصادية وتقنية وسيبرانية عند الحاجة. كما لا تستبعد بعض الدراسات أن تتخذ بعض الردود طابعًا غير مباشر أو غير معلن، بما يحقق أهداف الردع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الإبقاء في الوقت نفسه على قنوات الاتصال لتفادي تحول أي مواجهة محدودة إلى صراع واسع خارج السيطرة.

وإذا حدث مثل هذا الرد، فمن المرجح أن تكون نتائجه مزدوجة. فمن جهة، قد يسهم في إعادة ترسيخ معادلة الردع، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن ضبط النفس كان خيارًا سياسيًا واعيًا، لا تعبيرًا عن ضعف أو عجز. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى التوتر الإقليمي مؤقتًا، ويؤثر في أسواق الطاقة والنقل البحري، ويزيد من أهمية التنسيق مع القوى الدولية لضمان أمن الممرات البحرية والمنشآت الحيوية. أما إذا جاء الرد بصورة غير محسوبة، فقد يفتح الباب أمام دوامة من التصعيد يصعب احتواؤها، وهو السيناريو الذي تسعى معظم العواصم الإقليمية إلى تجنبه.

وفي ضوء ذلك، تكشف التجارب الحديثة أن السياسة الأمنية لدول الخليج العربية والأردن لا تقوم على معادلة بسيطة عنوانها “الرد أو عدم الرد”، وإنما على سؤال أكثر تعقيدًا: متى يكون الرد ضرورة استراتيجية، ومتى يكون الاحتواء هو الخيار الأكثر فاعلية؟ ولذلك فإن ما يبدو في الظاهر صبرًا قد يكون، في حقيقته، جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تجنب منح الخصم حق اختيار توقيت المواجهة وشكلها، مع الاحتفاظ دائمًا بخيارات الرد متى اقتضت الضرورة ذلك.

غير أن الصبر الاستراتيجي، كما تؤكد معظم الأدبيات المتخصصة، ليس سياسة مفتوحة ولا شيكًا على بياض. فهو خيار عقلاني ما دامت كلفته أقل من كلفة المواجهة، وما دام قادرًا على صون الردع وحماية المصالح الوطنية. أما إذا اختل هذا التوازن، فإن قواعد الاشتباك نفسها تصبح مرشحة للتغيير، وقد تجد الدول نفسها مضطرة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة صياغة معادلات الردع.

وفي المحصلة، لن يتحدد مستقبل الأمن في الخليج والأردن بما تفعله إيران وحدها، بل بقدرة الدول العربية على تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الحكمة والحزم، وبين الدبلوماسية والقوة، بحيث يبقى السلام خيارًا استراتيجيًا تحميه القدرة على الرد، لا خيارًا تفرضه موازين القلق أو الخشية من التصعيد. فالتاريخ يثبت أن السلام الأكثر استدامة ليس ذلك الذي يقوم على حسن النوايا، بل ذلك الذي يستند إلى ردعٍ موثوق، وإرادة سياسية واضحة، وحسابات دقيقة تجعل كلفة أي اعتداء أعلى من أي مكسب يمكن أن يحققه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :