هل آن الأوان لاستحداث هيئة لكفاءة الإنفاق وإدارة المنح الدولية؟
معتز عبدالقادر عساف
25-07-2026 11:54 AM
في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها الأردن، وارتفاع كلفة الإنفاق العام، واستمرار الاعتماد على المنح والمساعدات الدولية لتمويل العديد من المشاريع والبرامج الحكومية، يبرز سؤال يستحق نقاشاً وطنياً جاداً: هل آن الأوان لاستحداث هيئة مستقلة تُعنى بكفاءة الإنفاق وإدارة المنح الدولية، بما يضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية وتحقيق أعلى قيمة ممكنة من كل دينار يُنفق أو كل منحة تُقدم؟
قد يعترض البعض أو يتساءل: لماذا ننشئ هيئة جديدة بينما تتجه الدولة إلى رفع كفاءة القطاع العام؟ والحقيقة أن هذه الهيئة ليست عبئاً إضافياً على الدولة، بل أداة لترشيد الإنفاق وتعظيم أثره. فهي لا تُنشأ لصرف الأموال، وإنما لضمان حسن إدارتها، وتوجيه الموارد إلى المشاريع والمبادرات ذات الأولوية، ومنع الهدر والازدواجية. بل إن الكلفة المترتبة على إنشائها ينبغي أن تُعوَّض أضعافاً من خلال الوفر المالي الذي ستحققه، والقيمة المضافة التي ستولدها عبر رفع كفاءة الإنفاق وإدارة المنح.
ولعل التجربة السعودية تقدم نموذجاً جديراً بالدراسة. فقد أنشأت المملكة العربية السعودية هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية (EXPRO) لتتولى مراجعة الإنفاق الحكومي، وتقييم المشروعات والمبادرات قبل اعتمادها، وقياس نتائجها بعد التنفيذ، بما يضمن تحقيق أفضل قيمة مقابل الإنفاق ورفع كفاءة استخدام الموارد العامة. وإذا كانت دولة تمتلك إمكانات مالية كبيرة ترى أن كفاءة الإنفاق تستحق وجود هيئة متخصصة، فإن الأردن، بموارده المحدودة، يبدو أكثر حاجة إلى هذا النموذج.
ولا ينبغي أن يقتصر دور الهيئة على مراجعة الموازنات، بل أن تتولى تقييم جدوى المشاريع والمبادرات الحكومية والمنح والمساعدات الدولية قبل اعتمادها، والتأكد من اتساقها مع الأولويات الوطنية، ومتابعة تنفيذها وقياس أثرها بعد الإنجاز. فالنجاح لا يقاس بحجم الإنفاق أو عدد الأنشطة والتقارير، وإنما بما تحقق من نتائج ملموسة، لذا ينبغي أن يرتكز التقييم على مؤشرات النتائج والأثر (Lagging Indicators)، وليس فقط على مؤشرات التنفيذ (Leading Indicators)، مع ربط الإنفاق بالمؤشرات الاستراتيجية للدولة.
وتبرز أهمية هذه الهيئة من خلال أمثلة واقعية شهدها القطاع العام خلال السنوات الماضية. فقد موّلت الجهات المانحة عشرات الدراسات والاستراتيجيات والبرامج والمؤتمرات وورش العمل، تناول كثير منها الموضوعات نفسها، وانتهى عدد غير قليل منها في الأدراج دون أن ينعكس على سياسات أو نتائج ملموسة. والمشكلة ليست في الدراسات أو المنح بحد ذاتها، وإنما في غياب جهة مستقلة تطرح الأسئلة الصحيحة قبل الموافقة على التمويل: هل يمثل هذا المشروع أولوية وطنية؟ وهل توجد أعمال سابقة يمكن البناء عليها؟ وما القيمة المضافة المتوقعة؟ وكيف سيُقاس أثره بعد التنفيذ؟
وقد يكون من الأجدى في بعض الحالات توجيه جزء من هذه الموارد إلى إنشاء مدرسة في منطقة بحاجة إليها، أو تأهيل مركز صحي، أو تعبيد طريق يخدم آلاف المواطنين، بدلاً من تمويل دراسة جديدة حول موضوع سبق أن دُرس مراراً ولم تُترجم نتائجه إلى سياسات أو برامج تنفيذية. فالقضية ليست رفض الدراسات أو المؤتمرات، بل ضمان أن كل دينار يُنفق يحقق أعلى قيمة ممكنة للدولة والمجتمع.
ويبرز مثال آخر على أهمية هذا الدور عند إنشاء إحدى الهيئات الحكومية، حيث تضمن نظامها الإداري في بداياته وجود ثلاثة مدراء تنفيذيين وأمين عام، جميعهم بدرجة أمين عام، في هيئة لم يكن يتجاوز عدد موظفيها 300 موظف. وفي المقابل، فإن وزارة التربية والتعليم، التي يزيد عدد موظفيها على مئة ألف موظف، تعمل بعدد أقل من الأمناء العامين. ورغم تعديل هذا التنظيم لاحقاً، إلا أن المثال يؤكد أهمية وجود جهة مستقلة تراجع الهياكل التنظيمية قبل اعتمادها، وتوازن بين الحاجة الإدارية والكلفة والعائد المتوقع.
كما ينبغي أن تمتد صلاحيات الهيئة إلى مراجعة جدوى الهيئات والمؤسسات القائمة، والتوصية بدمجها أو إعادة هيكلتها أو حتى إلغائها عندما يثبت تداخل اختصاصاتها أو محدودية أثرها، بما يسهم في رفع كفاءة القطاع العام وترشيد الإنفاق.
إن الأردن لا يحتاج إلى المزيد من الخطط والدراسات بقدر حاجته إلى جهة مستقلة تضمن أن كل دينار من المال العام، وكل منحة دولية، يوجهان إلى ما يحقق أفضل أثر ممكن، وأن كل مشروع يخضع لتقييم موضوعي قبل التنفيذ وبعده.
ففي الدول محدودة الموارد، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم أنفقنا؟ بل: ماذا حققنا مقابل ما أنفقنا؟ فهذا هو جوهر الحوكمة الرشيدة، وأحد أهم متطلبات الإدارة الحكومية الحديثة.