facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حوكمة انتقال المسؤولية: من تسليم الصلاحيات إلى استدامة المعرفة المؤسسية


د. ليال عيسوه
25-07-2026 12:22 PM

في مسار تحديث الإدارة العامة، لا يكفي أن تنتقل الصلاحيات أو تتغير الهياكل التنظيمية لضمان تطور المؤسسات؛ فالتحدي الأعمق يكمن في قدرة المؤسسة على الحفاظ على المعرفة التي تشكلت عبر سنوات من العمل، وتحويلها إلى رصيد مؤسسي يدعم القرار ويعزز استمرارية الأداء.

ويأتي هذا الطرح انسجاماً مع رؤى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم في مسار التحديث الشامل، الذي يركز على بناء مؤسسات أكثر كفاءة وفاعلية، قادرة على تحقيق النتائج والاستجابة للتحديات. فالتحديث الإداري لا يرتبط فقط بتطوير التشريعات والأنظمة، بل يتطلب أيضاً تطوير منهجيات العمل داخل المؤسسات، وتعزيز قدرتها على التعلم والبناء على خبراتها المتراكمة.

فالمؤسسات لا تبدأ من نقطة الصفر عند كل انتقال إداري؛ إذ تحمل معها مشاريع قائمة، وقرارات سابقة، وإجراءات عمل، والتزامات مالية وإدارية، وتجارب عملية تكشف ما تم إنجازه وما يحتاج إلى تطوير. إلا أن هذا التراكم لا يتحول تلقائياً إلى قيمة مؤسسية ما لم تتم إدارته وتوثيقه ضمن إطار واضح يضمن الاستفادة منه.

ومن هنا تظهر إحدى الفجوات المهمة في الإدارة العامة: انتقال المسؤولية لا يعني بالضرورة انتقال المعرفة المؤسسية.

فالصلاحيات يمكن أن تنتقل بقرار رسمي، والمهام يمكن أن تُسلّم وفق إجراءات محددة، لكن القدرة على ممارسة المسؤولية بكفاءة تحتاج إلى الإحاطة بالسياق المؤسسي الذي تعمل ضمنه الجهة الجديدة؛ بما يشمل واقع الأداء، ومسار المشاريع، والالتزامات القائمة، والتحديات التشغيلية، والفرص المتاحة للتطوير.

وهنا تبرز أهمية مفهوم حوكمة انتقال المسؤولية باعتباره إطاراً إدارياً يتجاوز فكرة التسليم والاستلام التقليدية، ليجعل من الانتقال عملية مؤسسية منظمة تضمن استمرارية العمل، وتحافظ على المعرفة التنظيمية، وتوفر أساساً أكثر دقة لصناعة القرار.

وتبدأ هذه الحوكمة من قاعدة أساسية تتمثل في بناء قراءة مؤسسية موضوعية للواقع القائم قبل تحديد الأولويات أو إطلاق مسارات التطوير. فالإصلاح الفاعل لا ينطلق من الانطباعات، بل من بيانات ومؤشرات وتحليل يساعد على تحديد الاحتياجات الفعلية وتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر تأثيراً.

ومن الأدوات العملية التي يمكن أن تدعم هذا النهج إعداد التقرير المرجعي المؤسسي (التقرير الصفري)، باعتباره خط أساس واضحاً تبدأ منه المرحلة الجديدة.

ولا يعني التقرير الصفري أن المؤسسة تبدأ من الصفر، بل يعني تحديد وضعها عند نقطة زمنية محددة، من خلال توثيق المشاريع القائمة ونسب الإنجاز، والوضع المالي والإداري، ومؤشرات الأداء، والالتزامات، والتحديات، ومجالات التحسين.

وتكمن قيمة هذا التقرير في أنه يحول المعلومات المرتبطة بالأفراد والملفات إلى مرجعية مؤسسية قابلة للبناء عليها، ويساعد الجهة الجديدة على اتخاذ قرارات أكثر دقة، وقياس أثر التدخلات بصورة أكثر موضوعية.

البلديات نموذجاً: من انتقال الإدارة إلى استدامة المؤسسة

تظهر أهمية هذا النموذج بشكل واضح في البلديات، خصوصاً في مرحلة الانتقال من المجالس المعينة إلى المجالس المنتخبة.

فالمجلس المنتخب لا يتسلم مؤسسة جديدة، بل يتولى مسؤولية بلدية لديها مشاريع قيد التنفيذ، وموازنات، والتزامات تعاقدية، وملفات خدمية ترتبط مباشرة باحتياجات المجتمع المحلي. وفي الوقت ذاته، فإن من حق المجلس الجديد إعادة ترتيب الأولويات ووضع رؤيته التنموية وفقاً للبرنامج الذي حصل على أساسه على ثقة الناخبين.

والتحدي هنا لا يتمثل في المحافظة على كل ما سبق دون مراجعة، ولا في إلغاء المرحلة السابقة بالكامل، بل في تحقيق توازن مؤسسي بين استمرارية العمل وحق الإدارة المنتخبة في التطوير وصناعة الأولويات.

ومن هنا يمكن اعتماد تقرير انتقال مؤسسي للبلديات قبل مباشرة المجالس المنتخبة لمهامها، يتضمن صورة متكاملة عن واقع البلدية، تشمل المشاريع ونسب الإنجاز، والوضع المالي، والالتزامات القائمة، والعقود، والتحديات التشغيلية، والموارد المتاحة، والفرص التنموية.

كما يتضمن الدروس المستفادة من المرحلة السابقة، ليس بهدف تقييم أشخاص أو مراحل، وإنما بهدف تمكين المجلس الجديد من البناء على المعرفة المتوفرة واتخاذ قرارات أكثر كفاءة.

ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على البلديات فقط، بل يمكن تطبيقه في الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات المختلفة؛ لأن انتقال المسؤولية يمثل مرحلة مفصلية في مسار المؤسسة تحتاج إلى إدارة منهجية تضمن استمرارية الأداء وعدم فقدان المعرفة التنظيمية.

إن تحديث الإدارة العامة لا يتحقق فقط من خلال تطوير القوانين أو إعادة هيكلة المؤسسات، بل من خلال بناء مؤسسات قادرة على التعلم، وإدارة معرفتها، وتحويل خبراتها المتراكمة إلى قرارات أكثر فاعلية.

فالمؤسسة التي تحسن إدارة انتقال مسؤوليتها لا تبدأ من جديد مع كل مرحلة، بل تجعل من كل انتقال فرصة للبناء على ما تحقق وتعزيز قدرتها على الإنجاز.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :