facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من يدير مدننا ؟ البلديات بين فجوة الكفاءات وبناء جيل جديد من الإدارة البلدية المتخصصة


المهندس محمد المنير
26-07-2026 10:07 AM

يُعد العمل البلدي من أقدم مؤسسات الدولة وأكثرها ارتباطًا بحياة المواطن اليومية، إلا أنه اليوم يقف أمام تحديات متسارعة تفرض إعادة مراجعة شاملة لمنظومته، بما يضمن تحقيق الغاية الحقيقية من وجود البلديات، والمتمثلة في تقديم خدمات حضرية مستدامة، وتعزيز جودة الحياة، وتحقيق التنمية المحلية المنشودة.
فالبلدية هي المؤسسة الحكومية الأكثر احتكاكًا بالمواطن؛ إذ لا يكاد يخلو بيت من مراجعة بلدية في مرحلة ما، بخلاف العديد من المؤسسات الحكومية التي قد تمر سنوات دون أن يحتاج المواطن إلى التعامل معها. ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي في تطوير البلديات ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية تنعكس آثارها بصورة مباشرة على المجتمع والاقتصاد وجودة الخدمات.

وأي عملية تحديث ناجحة لا يمكن أن تبدأ من الخارج، بل تبدأ من البيت الداخلي. فلا يمكن بناء بلدية حديثة بكوادر تقليدية، كما لا يمكن تحقيق تنمية حضرية مستدامة دون جهاز إداري وفني يمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لإدارة المدن وفق أسس علمية ومؤسسية حديثة.

إن الدعم المالي، والتحول الرقمي، والمشاريع الاستثمارية، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق أهدافها إذا غاب العنصر البشري المؤهل القادر على التخطيط، والتنفيذ، والإدارة، واستدامة الإنجاز.

وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: *هل تؤهل منظومتنا التعليمية الحالية كوادر متخصصة لإدارة العمل البلدي؟

فالجامعات تخرّج مهندسين، ومحاسبين، وإداريين، وقانونيين، وكل منهم يدرس تخصصه بمعزل عن طبيعة العمل البلدي. وعند التحاقهم بالقطاع الحكومي أو البلدي، تبدأ رحلة طويلة لاكتساب الخبرة العملية في بيئة تتطلب معرفة متداخلة تجمع بين الهندسة، والإدارة، والقانون، والمالية، والتخطيط الحضري، وإدارة الخدمات العامة.

ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك تعيين محاسب جديد في دائرة الموازنات، وهي الدائرة المسؤولة عن إعداد مسودة تعليمات إعداد الموازنات للبلديات، ومراجعة الموازنات المقدمة منها، وإقرارها. فقد يمتلك الموظف خبرة جيدة في تدقيق الشركات الخاصة أو التدقيق الضريبي، لكنه يفتقر إلى المعرفة بطبيعة العمل البلدي والمالي الحكومي. وبدلًا من إقحامه مباشرة في العمل وقضاء عام كامل في التعلم بالممارسة والخطأ أو الاعتماد على الخبرات الفردية للزملاء، تبرز الحاجة إلى إخضاع الموظفين المستجدين لبرامج تأهيلية متخصصة تسبق مباشرتهم العمل.

ومن هنا، يمكن للأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية أن تؤدي دورًا محوريًا في تصميم وتنفيذ دبلومات مهنية قصيرة ومتخصصة تُبنى وفق طبيعة كل وظيفة. فيبدأ الموظف بالتعرف إلى منظومة الإدارة الحكومية، وأخلاقيات الوظيفة العامة، وحقوقه وواجباته، ثم ينتقل إلى التشريعات الناظمة للعمل البلدي، قبل أن يخضع لتدريب تخصصي دقيق يتناسب مع طبيعة عمله.

فالمحاسب، على سبيل المثال، يتلقى تدريبًا متخصصًا في إعداد الموازنات البلدية، والحسابات الختامية، والتشريعات المالية، مدعومًا بحالات عملية واقعية، بينما يتلقى الباحث القانوني تدريبًا متخصصًا في التشريعات البلدية، ويحصل المهندس على تدريب في إجراءات الترخيص، وإدارة المشاريع، والبنية التحتية، والإشراف الفني. وبهذا النهج، يلتحق الموظف بعمله وهو يمتلك قاعدة علمية وتطبيقية متينة تؤهله للإنتاج الفعلي منذ يومه الأول.

غير أن برامج التأهيل المؤسسي، على أهميتها، تبقى علاجًا يأتي بعد التعيين، أما البناء الحقيقي والأكثر استدامة فيبدأ قبل ذلك بسنوات... من داخل قاعات الدراسة الجامعية نفسها.

ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لاستحداث تخصص جامعي نوعي ضمن كليات الهندسة يحمل اسم "هندسة البلديات والإدارة الحضرية"، ليكون أول تخصص أكاديمي يُعنى بإعداد كوادر هندسية تمتلك فهمًا متكاملًا لطبيعة العمل البلدي وإدارة المدن، بدلًا من الاعتماد على اكتساب هذه المعرفة بعد سنوات من الممارسة.

ويقوم هذا التخصص على دمج العلوم الهندسية مع العلوم الإدارية والقانونية والمالية؛ فيدرس الطالب في سنواته الأولى الرياضيات، والفيزياء، وعلوم المواد، والتربة، والميكانيكا الإنشائية، والتصميم الهندسي والمعماري، إلى جانب هندسة الطرق، وشبكات المياه والصرف الصحي، والمساحة، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS). ثم ينتقل في السنوات المتقدمة إلى دراسة الإدارة البلدية، والتخطيط الحضري والاستراتيجي، وإدارة الأصول والبنية التحتية، والمالية البلدية، والاستثمار المحلي، والتشريعات الناظمة للإدارة المحلية، وإدارة المشاريع، والمشاركة المجتمعية، والتحول الرقمي، والاستدامة البيئية، بما يؤهله لقيادة العمل البلدي بمنهجية علمية حديثة.

إن استحداث هذا التخصص، إلى جانب تفعيل برامج التأهيل المؤسسي للمستجدين عبر مؤسسات تدريبية وطنية متخصصة، لن يكون مجرد إضافة أكاديمية أو إدارية، بل استثمارًا طويل الأمد في بناء قيادات بلدية تمتلك المعرفة الهندسية والإدارية والقانونية اللازمة لإدارة المدن بكفاءة واقتدار. كما سيسهم في توحيد المفاهيم المهنية، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز التخطيط الحضري، وتحسين استثمار الموارد، وصولًا إلى بلديات أكثر كفاءة واستدامة، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة إعداد الكوادر البلدية، والانتقال من ثقافة التعلم بالممارسة وحدها، إلى منظومة علمية متكاملة تبدأ من الجامعة، وتستكملها برامج تأهيل مهني متخصصة، لتصبح البلدية مؤسسة يقودها مختصون أُعدّوا لهذا الدور منذ اليوم الأول.

فالمدن لا تُدار بالمشاريع وحدها، ولا بالموازنات وحدها، بل تُدار بالعقول التي تخطط لها، والكفاءات التي تقودها، والمؤسسات التي تؤمن بأن بناء الإنسان وتأهيله هو نقطة الانطلاق الحقيقية لكل إصلاح. فالإصلاح الحقيقي للبلديات لا يبدأ بالموازنات، ولا بالمشاريع، ولا بالتحول الرقمي، بل يبدأ بإعداد الإنسان القادر على إدارة المدينة. ولعل استحداث تخصص "هندسة البلديات والإدارة الحضرية"، إلى جانب تطوير مسارات التأهيل المؤسسي، يمثل خطوة جريئة نحو بناء جيل جديد من القيادات البلدية، أكثر احترافية، وأكثر قدرة على صناعة مدن تستحقها الأجيال القادمة.

مهندس مدني – ماجستير الهندسة الإنشائية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :