facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الثقة الرقمية وحوكمة البيانات: البوابة الحقيقية نحو الأردن الذكي


د. حمزة العكاليك
26-07-2026 10:31 AM

لم يعد التحول الرقمي في الدول يقاس بعدد التطبيقات الحكومية ولا بحجم الإنفاق على البنية التحتية التقنية ولا حتى بنسبة الخدمات الإلكترونية المتاحة للمواطنين. فهذه جميعها مؤشرات مهمة لكنها لا تعكس وحدها نضج الدولة الرقمي. أما المعيار الحقيقي اليوم فهو قدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة من الثقة الرقمية التي تجعل المواطن والمؤسسات والمستثمرين يطمئنون إلى أن البيانات التي تشكل عصب الاقتصاد الحديث تُدار بكفاءة وتُحمى بسياسات واضحة وتُستخدم لتحقيق المصلحة العامة ضمن إطار قانوني وأخلاقي يحفظ الحقوق ويعزز المساءلة.

ولقد أثبتت التجارب الدولية أن كثيراً من مشاريع التحول الرقمي أخفقت بسبب غياب الحوكمة وضعف التكامل المؤسسي وتراجع ثقة المواطنين في كيفية إدارة بياناتهم. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في الأردن لم يعد: كيف نرقمن مزيداً من الخدمات؟ بل أصبح: كيف نبني دولة رقمية يثق بها الجميع؟

إن الإجابة على هذا التساؤل المركزي تبدأ من إدراك أن البيانات أصلاً سيادياً لا يقل أهمية عن البنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية. فالدولة التي تدير بياناتها بكفاءة تستطيع أن تخطط بصورة أدق وتتخذ قرارات أكثر جودة وتقدم خدمات استباقية وتجذب الاستثمارات الرقمية وتدعم الابتكار وترفع إنتاجية الاقتصاد. أما الدولة التي تتعامل مع البيانات باعتبارها مجرد ملفات موزعة بين المؤسسات فإنها ستظل تدفع كلفة التكرار وضعف التنسيق وتراجع جودة الخدمات مهما بلغت استثماراتها التقنية.

ولهذا فإن المرحلة الجديدة من التحول الرقمي الأردني تستدعي الانتقال من مفهوم رقمنة الخدمات إلى مفهوم حوكمة البيانات الوطنية. وهذا التحول لا يتحقق بتطوير الأنظمة التقنية وحدها وإنما بإرساء نموذج مؤسسي واضح يحدد ملكية البيانات ومسؤوليات إدارتها وآليات تبادلها وضوابط استخدامها ومعايير جودتها وحدود الوصول إليها وآليات المساءلة عند إساءة استخدامها.

وفي هذا السياق ينبغي أن تتحول حوكمة البيانات إلى مشروع وطني تقوده الحكومة على أعلى المستويات. فالبيانات الحكومية ليست ملكاً للمؤسسات التي تجمعها وإنما هي مورد وطني يجب أن يخضع لإدارة موحدة ورؤية استراتيجية ومعايير وطنية مشتركة تضمن تكاملها واستدامتها وأمنها.

ومن هنا تبرز أهمية تفعيل الإطار المؤسسي لقانون حماية البيانات الشخصية باعتباره أحد أهم الممكنات الاقتصادية للتحول الرقمي. فكلما ازدادت ثقة الأفراد والشركات بأن بياناتهم تدار بشفافية وعدالة وأمان ازدادت قدرتهم على تبني الخدمات الرقمية والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والمشاركة في الابتكار وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على النمو الاقتصادي ورفع تنافسية الدولة.

ولا يقل الذكاء الاصطناعي أهمية عن ذلك لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم التحديات المقبلة. فهذه التقنيات تعتمد على البيانات اعتماداً كاملاً فجودة مخرجاتها ترتبط مباشرة بجودة البيانات التي تتعلم منها. ولذلك فإن أي ضعف في الحوكمة أو الجودة أو العدالة سينعكس في صورة قرارات متحيزة أو نتائج غير دقيقة أو ممارسات تمس الحقوق والحريات وهو ما قد يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات العامة نفسها.

ولهذا فإن نجاح الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي لن يقاس بعدد المشاريع المنفذة وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة تضمن الاستخدام المسؤول والشفاف والعادل لهذه التقنيات ضمن إطار واضح للمساءلة والرقابة وإدارة المخاطر. وهذا يتطلب أن تصبح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي جزءاً أصيلاً من منظومة الحوكمة الحكومية.

ومن منظور السياسات العامة فإن الحكومة مطالبة اليوم بإعادة ترتيب أولويات الاستثمار الرقمي. فنجاح المرحلة المقبلة يتحقق بتعزيز التكامل بين المؤسسات وتحسين جودة البيانات وتطوير مؤشرات أداء وطنية؛ تقيس أثر التحول الرقمي على جودة الحياة والإنتاجية وسرعة الخدمات ومستوى رضا المواطنين وحجم الوفر المالي بدلاً من الاكتفاء بقياس عدد الخدمات المؤتمتة أو نسب الاستخدام.

كما أن نجاح التحول الرقمي يتطلب إنشاء منظومة وطنية متقدمة لإدارة البيانات الحكومية؛ تتضمن سجلات مرجعية موحدة ومعايير إلزامية لجودة البيانات ونظاماً وطنياً لتصنيفها وسياسات واضحة لمشاركتها بين المؤسسات مع اعتماد مبدأ جمع البيانات مرة واحدة واستخدامها مرات متعددة ضمن ضوابط قانونية وتقنية صارمة تحفظ الخصوصية وتمنع إساءة الاستخدام.

وفي المحصلة فإن الأردن يمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة بناء الحكومة الإلكترونية إلى مرحلة بناء الدولة الرقمية. غير أن هذه الفرصة لن تتحقق إذا بقيت التكنولوجيا هي محور النقاش الرئيسي. فالمحور الحقيقي يجب أن يكون بناء المؤسسات القادرة على إدارة البيانات بكفاءة وتطبيق التشريعات بعدالة وترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية وتحويل الثقة الرقمية إلى رصيد وطني يدعم التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

فالتكنولوجيا يمكن شراؤها والبرمجيات يمكن تطويرها والمنصات يمكن تحديثها أما الثقة فلا تُشترى ولا تُفرض بقرار بل تُبنى عبر سياسات رشيدة ومؤسسات قوية وتشريعات فعالة وقيادة تؤمن بأن البيانات ليست مجرد مورد رقمي وإنما ركيزة من ركائز السيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :