facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عنْ المونديال تارةً أخرى


أمل المشايخ
26-07-2026 10:34 AM

في التّاسع عشر منْ تموزَ الجاري ٢٠٢٦م، أسدلَ السّتارُ عنْ آخرِ مبارياتِ المونديال بفوزِ إسبانيا على الأرجنتين بهدفٍ نظيفٍ بعدَ التّمديدِ؛ لتتوّجَ بكأسِ العالمِ للمرّةِ الثّانيةِ في تاريخِها (المرةُ الأولى كانتْ عامَ ٢٠١٠ حينَ كانتْ المباراةُ النّهائيّةُ في جوهانسبرغ ضدَّ هولندا بهدف نظيفٍ أيضًا)، لكنّ المونديال الذي يطلُّ عليْنا كلَّ أربعِ سنواتٍ لا يتركُ لنا النّتائجَ والأرقامَ وحسبُ، وإنّما يجودُ عليْنا بالدّروسِ والعبرِ أيضًا، هذه الدّروسُ التي تتجاوزُ كرةَ القدمِ إلى الحياةِ نفسِها، إنّه مناسبةٌ عالميّةٌ نرى فيها الإنسانَ في لحظاتِ ضعفِه وقوّتِه، وفي قدرتِه على النّهوضِ بعدَ السّقوطِ، ولذلكَ - حينَ تنتهي البطولةُ – يأتي السّؤالُ الكبيرُ: ماذا تعلَّمْنا؟

لعلَّ أوّلَ الدّروسِ المستفادةِ أنْ لا أحدَ يبقى في القمّةِ إلى الأبدِ، فقدْ جاءت الأرجنتينُ إلى المباراةِ النّهائيةِ وهي تحملُ لقبَ البطولةِ السّابقةِ، ومعَها تاريخٌ كبيرٌ وخبرةُ نجومٍ كبارٍ أيضًا، لكنّها وجدتْ نفسَها أمامَ منتخبٍ طموحٍ و مؤمنٍ بقدرتِه على المنافسةِ، فجاءَ الدّرسُ العظيمُ أنَّ النّجاحَ لا يمنحُ صاحبَه حصانةً أبديّةً، والمجدُ السّابقُ لا يكفي لصناعةَ المجدِ الجديدِ، وأنَّ كلَّ إنجازٍ يحتاجُ إلى أنْ يُصانَ، فالإنسانُ الذي يعيشُ على أمجادِ الماضي قدْ يتحوّلُ إلى أسيرٍ لها، وهنا يأتي الدّرسُ الثّاني، ذاكَ أنّ الفوزَ ثمرةُ صبرٍ طويلٍ؛ فلمْ تحسمْ إسبانيا النّهائيَّ بسهولةٍ، فقدْ ظلَّ التّعادلُ قائمًا طوالَ الوقتِ الأصليّ، وبدا أنَّ المباراةَ قدْ تمتدُّ إلى لحظاتٍ أكثرَ قسوةً وإثارةً، ثمَّ جاءَ الهدفُ في الوقتِ الإضافيِّ بعدَ صبرٍ طويلٍ ومحاولاتٍ متواصلةٍ؛ وهذا الأمرُ حينَ نظنُّ أنَّ الطريقَ قدْ أغلقَ، ولكنَّ لحظةَ النّجاحِ قدْ تأتي بعدَ لحظةٍ واحدةٍ منْ صبرٍ ضقْنا به ذرعًا.

أمّا الدّرسُ الثّالثُ فلا يوجدُ انتصارٌ بلا فريقٍ؛ لأنَّ وراءَ كلِّ انتصارٍ جماعةً كاملةً منْ لاعبين ومدرّبين وجهازِ فنيٍّ وإداريّين وأطباءَ وعائلاتٍ، وليسَ فقط لاعبًا واحدًا تصفّقُ له الجماهيرُ، ومنِ جميل الأخلاقِ أنْ يتذكّرَ الإنسانُ الذين ساعدوه عندما يصلُ، فأسوأُ ما في النّجاحِ أنْ يجعلَ صاحبَه ينسى الأيدي التي امتدّتْ إليه، والقلوبَ التي وقفتْ إلى جانبِه، ومنْ ينسى مشهدَ اللاعبِ الأردنيِّ (علي علوان) حينَ حملَ قميصَ زميلِه (يزن النّعيمات) احتفالًا بتحقيق الهدفِ ضدَّ النَّمسا.

في الجانبِ الآخرِ من الملعبِ وقفَ لاعبو الأرجنتين وقدْ خسروا فرصةَ الاحتفاظِ باللقبِ، لكنَّ الخسارةَ الرّياضيّةَ مهما كانتْ مؤلمةً، لا تلغي قيمةَ الإنسانِ ولا تاريخَه، وهنا يأتي الدّرسُ الرّابعُ وهو درسٌ أخلاقيٌّ وإنسانيٌّ بالغُ الأهميّةِ، ينبغي أنْ نتعلّمَ كيفَ نختلفُ؛ فالخصمُ ليسَ عدوًّا بالضّرورةِ؛ فنحنُ بحاجةٍ إلى ثقافةِ القبولِ والاحترامِ، وأنّ نتائجَ المبارياتِ مؤقتةٌ، أمّا الأخلاقُ فتبقى.

وفي الدّرسِ الخامسِ نكتشفُ أنَّ الإنسانَ أكبرُ من النّتيجةِ؛ فبعدَ سنواتٍ قليلةٍ قدْ لا يتذكّرُ النّاسُ تفاصيلَ المباراةِ، وقدْ تتغيّرُ الأسماءُ والنّجومُ، لكنَّ ما يبقى هو أثرُ الإنسانِ الذي لا يتحدّدُ بعددِ البطولاتِ، ولا بعددِ الأهدافِ، بلْ بالطّريقةِ التي يتصرّفُ بها حينَ يملكُ القوّةَ، وحينَ يفقدُها، أمّا الدّرسُ السّادسُ فيأتي حينَ يستطيعُ العالمُ أنْ يجتمعَ حولَ شيءٍ جميلٍ؛ فعلى الرّغمِ منْ اختلافِ الشّعوبِ واللغاتِ والثّقافاتِ، استطاعَ المونديال أنْ يجمعَ ملايينَ البشرِ حولَ لعبةٍ واحدةٍ في البيوتِ والمقاهي والمدرّجاتِ، يتابعون المبارياتِ، ويعيشون معَها الفرحَ والقلقَ والأملَ في آنٍ معًا.

وفي الدّرسِ السّابعِ نتعلّمُ أنّ الفرصةَ لا تنتظرُ كثيرًا؛ فلكلِّ بطولةٍ لها وقتُها وكلُّ لاعبٍ يعرفُ أنَّ الفرصةَ قدْ تأتي مرّةً واحدةً، وقدْ يكونُ الهدفُ الذي يغيّرُ التّاريخَ نتيجةَ لحظةِ تركيزٍ أو قرارٍ شجاعٍ، وهكذا الحياةُ إذْ تمرُّ أمامَنا فرصٌ كثيرةٌ، لكنّنَا لا ننتبهُ إليها دائمًا، وقدْ نؤجّلُ قرارًا، أوْ ننتظرُ ظروفًا مثاليّةً لا تأتي أبدًا.

ويأتي الدّرسُ الأخيرُ حينَ تنتهي البطولةُ، لكنّّ الحياةَ تستمرُ؛ فقدْ انتهى المونديال، وبعدَ الّنصرِ أو الهزيمةِ سيبدأُ اللاعبون منْ جديدٍ، وسينتظرُ العالمُ (مونديال) جديدًا يجود علينا بهذهِ الحكمةِ الكبيرةِ: أنَّ الإنسانَ قدْ يخسرُ مباراةً ولا يخسرُ نفسَه، وأنَّ الانتصارَ الحقيقيَّ ليسَ دائمًا في أنْ تكونَ الأوّلَ، بلْ في أنْ تكونَ قادرًا على الاستمرارِ، وأنّْ تنهضَ بعدَ كلِّ سقوطٍ، وأنَّ الحياةَ نفسَها مباراةٌ طويلةٌ، وأنَّ عليْنا أنْ نلعبَها حتّى النّهايةِ بشجاعةٍ وصبرٍ، تلكَ الحكمةُ الكبيرةُ ليستْ جديدةً، وإنّما عرفتْها الإنسانيّةُ منذُ عصرِ الإغريقِ حينَ ارتبطت الرّياضةُ بالأخلاقِ؛ ففي الألعابِ الأولمبيّةِ القديمةِ لمْ يكنْ الهدفُ هو الفوزَ وحدَه، بلْ الالتزامَ بالقواعدِ واحترامِ المنافسِ والتّحلّي بالشّجاعةِ والانضباطِ، كما كانت المدنُ اليونانيّةُ توقفُ حروبَها مؤقتًا خلالَ إقامةِ الألعابِ، كما آمنَ الإغريقُ أنَّ بناءَ الجسدِ ينبغي أنْ يترافقَ مع بناءِ العقلِ والرّوحِ، فكانت الرّياضةُ مدرسةً للتّوازنِ وضبطِ النّفسِ والتّواضعِ عندَ الفوزِ، والكرامةِ عندَ الخسارةَ، وهي قيمٌ ما تزالُ الرّياضةُ الحقيقيّةُ تحكمُ بها حتّى يومِنا هذا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :