عندما تصبح الجودة التعليمية مشروع دولة
فيصل تايه
28-07-2026 11:01 AM
يأتي مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة لسنة ٢٠٢٦ باعتباره محاولة جادة للانتقال بملف التعليم والتدريب في الأردن من مرحلة إدارة الإجراءات التنظيمية إلى مرحلة بناء منظومة وطنية متكاملة للجودة، تستند إلى معايير واضحة للقياس والتقييم والتحسين المستمر، وتعيد تعريف العلاقة بين المؤسسة التعليمية ومخرجاتها واحتياجات المجتمع وسوق العمل.
فالمشروع لا يمثل مجرد تعديل تشريعي يوسع صلاحيات هيئة قائمة أو يعيد ترتيب الاختصاصات بين الجهات المعنية، بل يعكس توجهاً أوسع لإعادة النظر في مفهوم الجودة التعليمية باعتبارها قضية وطنية ترتبط ببناء الإنسان، وتعزيز قدرة الدولة على المنافسة، وإعداد الكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد في المرحلة المقبلة.
وتزداد أهمية هذا المشروع مع دخوله المسار التشريعي بعد أن باشرت لجنة التربية والتعليم النيابية مناقشة مواده بالتعاون مع الجهات المختصة، بما يعكس إدراكاً بأن تطوير منظومة التعليم لم يعد ملفاً قطاعياً محدوداً، بل أصبح جزءاً من مشروع تحديث الدولة وبناء رأس مالها البشري.
وليس من قبيل المصادفة أن يأتي هذا المشروع في هذا التوقيت؛ فالعالم يعيد اليوم تعريف مفهوم التعليم، وينتقل من التركيز على الكم إلى التركيز على الجودة والأثر. وفي ظل التحولات المعرفية والتكنولوجية المتسارعة، لم تعد جودة التعليم تُقاس بعدد المؤسسات التعليمية أو أعداد الخريجين، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وبناء المهارات، وإعداد كفاءات تمتلك المرونة اللازمة للتكيف مع اقتصاد جديد تقوده التكنولوجيا والابتكار والتعلم المستمر.
لذلك لم يعد الحديث عن الجودة مطلباً أفقياً أو شعاراً أكاديمياً، بل أصبح ضرورة حتمية في بناء رأس المال البشري ، وأحد أهم معايير قوة الدول وقدرتها على المنافسة.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع القانون في سعيه إلى توحيد المرجعية الوطنية للاعتماد وضمان الجودة لتشمل مختلف مستويات التعليم والتدريب، بدءاً من رياض الأطفال والتعليم العام، مروراً بالتعليم العالي، وصولاً إلى مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني.
وهذه النقلة تحمل دلالة مهمة؛ لأن جودة التعليم لا تبدأ عند بوابة الجامعة، بل هي منظومة متصلة تبدأ من السنوات الأولى لتكوين الطالب، وتمتد إلى المدرسة والمعلم والمناهج والبيئة التعليمية، وصولاً إلى الجامعة والتدريب المهني وسوق العمل.
فالفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد لا يمكن معالجتها من خلال مرحلة واحدة، وإنما تحتاج إلى رؤية متكاملة توحد المعايير، وتربط حلقات المنظومة التعليمية، وتعمل وفق نتائج قابلة للقياس والتحسين المستمر.
لكن القيمة الحقيقية لأي قانون لا تكمن في أهدافه المعلنة فقط، بل في قدرته على تغيير الواقع. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام مشروع هيئة الاعتماد وضمان الجودة؛ فالجودة لا ينبغي أن تتحول إلى ملفات وإجراءات للحصول على شهادة اعتماد، وإنما يجب أن تصبح ثقافة مؤسسية تقوم على المراجعة المستمرة، وقياس الأداء، ومعالجة نقاط الضعف.
فالنجاح الحقيقي للمشروع لا يقاس بعدد المؤسسات التي تحصل على الاعتماد، بل بمدى تحسن التعليم نفسه: هل أصبح الطالب يمتلك مهارات أفضل؟ هل أصبح الخريج أكثر قدرة على المنافسة؟ وهل أصبحت المؤسسات التعليمية أكثر ارتباطاً بحاجات المجتمع وسوق العمل؟
وهذا يقود إلى التحول الأهم الذي ينبغي أن يصنعه القانون، وهو الانتقال من مفهوم "اعتماد المؤسسات" إلى مفهوم "جودة المخرجات"، بحيث تصبح قيمة الشهادة الأردنية مرتبطة بما يحمله الخريج من معرفة ومهارة وكفاءة، وليس فقط بالمسار الأكاديمي الذي مر به.
كما أن منح الهيئة صلاحيات أوسع في اعتماد المؤسسات التعليمية، وضمان جودة البرامج، والاعتراف بالمؤسسات التعليمية غير الأردنية، ومعادلة الشهادات والمؤهلات، يضع أمامها مسؤولية كبيرة في حماية سمعة التعليم الأردني وتعزيز الثقة بمخرجاته محلياً ودولياً. وهذا يتطلب أعلى درجات الحوكمة والاستقلالية والشفافية، حتى تبقى قرارات الجودة قائمة على معايير موضوعية واضحة.
وفي الوقت نفسه، فإن تطبيق معايير الجودة يجب ألا يكون أداة رقابية فقط، بل مشروع تطوير وتمكين. فالمؤسسات التعليمية تختلف في إمكاناتها وظروفها، ولذلك فإن نجاح القانون يحتاج إلى برامج دعم تساعد المؤسسات على الوصول إلى المعايير المطلوبة، لا أن تكتفي بتصنيفها بين قوي وضعيف.
ويبقى الارتباط بسوق العمل هو الاختبار الأكثر أهمية؛ فمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد هدف تكرر في العديد من الخطط الوطنية، لكن التحدي كان دائماً في الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
ولهذا فإن التكامل بين مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة ومشروع قانون تنظيم العمل المهني يمثل خطوة مهمة، بحيث تتولى الهيئة ضمان جودة البرامج التدريبية والرقابة على مخرجاتها، بينما ينظم القانون الآخر مزودي التدريب والمهن والمدربين.
إن بناء منظومة جودة حقيقية يتطلب كذلك شراكة مستدامة مع القطاع الخاص، بحيث يشارك في تحديد المهارات المطلوبة وتطوير البرامج التعليمية والتدريبية، لأن سوق العمل هو المعيار النهائي لفاعلية أي نظام تعليمي.
إن مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة لسنة ٢٠٢٦ يمثل فرصة لإعادة تعريف مفهوم الجودة في التعليم الأردني، لكنه في الوقت ذاته يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحويل التشريع إلى ممارسة، وتحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها الطالب والمؤسسة والمجتمع.
فالقوانين تضع الأطر، لكنها لا تصنع التغيير وحدها؛ الذي يصنع التغيير هو التنفيذ الفعال، والحوكمة الرشيدة، والمؤسسات القادرة، وثقافة تؤمن بأن الجودة ليست شهادة تُعلّق على الجدران، بل رحلة مستمرة من التطوير والتحسين.
وإذا استطاع الأردن تحويل هذا المشروع من قانون ينظم الاعتماد إلى منظومة وطنية تقيس جودة التعليم بأثرها الحقيقي، فإنه لن يكون مجرد إضافة جديدة إلى سجل التشريعات التعليمية، بل سيكون خطوة استراتيجية في بناء الإنسان الأردني القادر على المنافسة، ودعم اقتصاد أكثر جاهزية للمستقبل.
فالرهان الأردني لم يكن يوماً على الموارد والإمكانات فقط، بل كان دائماً على الإنسان الأردني وعقله وقدرته على التعلم والابتكار وصناعة الفارق؛ فالدول لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات فحسب، وإنما بما تنتجه من عقول وكفاءات قادرة على قيادة المستقبل.