facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المتنبي والزّيود .. سر العلاقة


هبة عصام
28-07-2026 12:54 PM

* قراءة في تجربة خليل الزّيود الأدبية التّربوية

إنّ انسيابَ الأبياتِ الشعريّةِ في ثنايا الكلام، يعطيهِ بُعدًا جماليًا وبلاغيًا يُثري الخطاب، ويجعل الأفكار أكثرَ حيوية وقوّة في العرض، ويساهم في خلقِ إيقاعٍ لغويّ يجذبُ الانتباه، ويجعلُ المستمعَ مشدودًا لكلّ كلمة، بعيدًا عن الرتابةِ أو الجفافِ العلميّ.

لم يَعُد الخِطابُ التربويُّ المُعاصِرُ يعتمِدُ على طرحِ الأفكارِ المجرّدةِ، بل أصبَحتِ اللغةُ التي تُقدّمُ بها هذه الأفكارُ عُنصرًا أساسيًّا يساهِمُ في مدى انتشارِها وقبولِها، فالطريقةُ التي نتحدثُ بها لا تقلّ أهميّةً عن مضمونِ الحديثِ نفسِه؛ ومنَ المعروفِ أنّ الأسلوبَ يلعبُ دورًا رئيسيًا في جذبِ المُتلقّي، أو إبعادِه، فحينَ تخاطبُ الكلمةُ العقلَ والقلبَ، تضفي على الفكرةِ عمقًا وجدانيًا، وتقرّبها من حدودِ الإقناعِ، وذلك بعكسِ التوجيهِ المباشر، وسردِ المعلوماتِ العلميّةِ النظريّة، بأسلوبٍ يخلو من الأدواتِ اللغوية والتعبيريّة.

في هذا السياق، يتجلّى حضورُ التراثِ الأدبيّ، وخاصةً الشعر القديم، في بعضِ الخطاباتِ التربويةِ الحديثة، بوصفِه أداةَ تعبيرٍ تتجاوزُ الزينةَ اللفظية، بل تؤدي دورًا في بناءِ المعنى، فاستدعاءُ التراثِ الشعريّ في خطابٍ تربويّ معاصرٍ، يفتحُ مجالًا للتساؤلِ عن علاقةِ التربيةِ باللغةِ، ومدى قُدرةِ الشعرِ على حملِ رسالةِ القيَمِ التربوية.

إنّ تعاضد الشعرِ العربيّ مع المنهجِ التربويّ يعيدُ النظرَ في وظيفةِ الشعرِ، بوصفهِ مرآةً تعكسُ روحَ الهويّة الثقافية، ممّا يجعلُ هذه الظاهرة جديرة بالتأمل والقراءة..

ويقدّم التربويّ، الدكتور خليل الزيود، مِثالًا واضحًا على حضورِ الشعرِ القديمِ داخلَ الخِطابِ التربويّ الحديث، حيث يقومُ بتوظيفِ الشعرِ القديمِ بشكلٍ عام، وشعرِ المتنبي بشكلٍ خاص، باعتبارهِ أداةً تربويّة، فنجده يكثرُ من استحضارِ الاستشهاداتِ الأدبية، والاقتباساتِ الشعريّة، ونادرًا ما يقتبسُ من كلامِ علماءِ التربية الحديثة، إذ يعتمد بشكلٍ شبهِ كامل على التراثِ العربيّ في رسمِ الأسلوبِ التربويّ، سواءً على المستوى النظريّ أو العمليّ، حيثُ يرى أنّ قراءةَ الشعرِ، وسبرَ أغوارِ الأدب، تمثِّلُ أسلوبًا تربويًا، إذ تضمنُ للآباءِ والأمهاتِ نشأة آمنةً لأطفالِهم، باعتبارِ الأدب العربي كنزًا معرفيًا، يُضفي على اللسانِ فصاحة وبيانًا، وعلى العقلِ رجاحةً وحكِمة، ويزرعُ في النّفسِ ما سما من القيمِ العربيّة الأصيلة، كالكرمِ والمروءةِ، والشجاعةِ والأنَفة.

إنّ الشعرَ القديم، في خطابِ الدكتور الزيود، ليس مجرّد استعراضٍ لغويّ وثقافيّ، بل هو استراتيجيّة تمنحُ المتحدّثَ سلطةً خطابيّة، وتُشعِرُ المتلقّي بقوّةِ الفكرةِ، لاتّصالِها بالموروثِ الأدبيّ، فباعتبارِهِ تربويًا، يقدمُ له الشعرُ مساحةً من الهيمنةِ اللغوية، ويعزّزُ من مكانتِهِ كمستشارٍ أسريّ، لأنّ استدعاءَه للشعرِ العربيّ، والموروثِ الأدبيّ يعطي خطابَه بٌعدًا ثقافيًا فريدًا، فتبدو النصيحةُ للمتلقّي امتدادًا لحكمةٍ متوارثة، موصولةٍ بالجذور العربية العميقة، وليسَت مجرّدَ رأيٍ شخصيّ عابِر..

ليسَ ذلك فحسب، بل إنّ انسيابَ الأبياتِ الشعريّةِ في ثنايا الكلام، يعطيهِ بُعدًا جماليًا وبلاغيًا يُثري الخطاب، ويجعل الأفكار أكثرَ حيوية وقوّة في العرض، ويساهم في خلقِ إيقاعٍ لغويّ يجذبُ الانتباه، ويجعلُ المستمعَ مشدودًا لكلّ كلمة، بعيدًا عن الرتابةِ أو الجفافِ العلميّ.

ويقعُ اختيارُ الدكتور خليل الزيود على شعرِ المتنبّي تحديدًا، لِما يَتميّزُ بهِ المُتنبي من قوةٍ فائقةٍ في التعبير، إضافةً إلى عُمقِ تصويرِ النفسِ البشريّة والمواقفِ الحياتية.

إنّ أسلوبَ المُتنبي المَرِن، والغنيَّ بالمجازاتِ والصورِ البلاغيةِ، يمنحُ الزيود مادةً لُغويّة قويّة، يَستطيعُ من خلالِها صياغةَ أفكارِه، وتنظيمَ منهجِهِ التربويّ، وإرساءَ القيمِ التربويّة، وبثها في النّفوسِ بطريقةٍ مؤثرةٍ وجاذِبة، تجعلُ المتلقّي أكثرَ استعدادًا للتفاعُلِ معها، وبذلك يتحولُ شعرُ المتنبي، في خطابِه، من مجرّدِ نصّ أدبيّ إلى أداةٍ عمليةٍ، تساهِمُ في تقديمِ التربيةِ، بلغةٍ مِلؤها الفصاحة ومعاني السموّ.

ولا يقتصرُ التميّزُ الذي يَحظى بهِ المتنبي على شعرِه الفصيحِ فقط، بل يشمَلُ شخصيتَه القويّة والمستقلة، والتي نراها منعكسةً في جُرأتِه على قولِ الحقائق، دونَ حدودٍ أو قيودٍ، فليسَ الجمالُ اللغويُّ وحدَه ما يعطي قصائدَه ثِقلَها الأدبيّ، بل نظرتُه الثاقِبة، وتعبيرُه الجريء، وطبيعتُه المتمرّدة، ومن هنا، يمكِنُ فهمُ سببِ ارتباطِ الدكتور خليل الزيود بالمتنبّي تحديدًا، إذ يجِدُ فيه نموذجًا يُحتذى بهِ في الشجاعةِ الفِكرية، والصدقِ مع الذّاتِ، إضافةً للقدرةِ على صياغةِ المعنى، ممَا يجعلُ كلّ بيتٍ شعريّ مرآةً للتأمُّل.

غيرَ أنّ الاعتمادَ الكثيفَ على الشعرِ القديم، قد يضع الخطابَ التربويّ أمام عددٍ من التحدّيات، لما يتمتّعُ به من فصاحةٍ عالية، وكثافةٍ رمزيّة، ومن أبرزِ هذه التحدّيات، اتّساعُ الفجوةِ بينَ مُستوى اللغةِ وطبيعةِ الجُمهورِ المتلقّي، فلا يمتلِكُ جميعُ المتلقّين القدرةَ على فهمِ النّص الشعريّ، الأمر الذي قد يجعلُ طريقَ إيصالِ الفكرةِ وَعِرًا، فيتحوّلُ الشعرُ من وسيلةِ إيضاحٍ إلى أداةٍ تنقلُ الخِطاب لمستوىً آخر، بعيدًا عن مستوى المُتلقي، فيغدو الحضورُ البلاغيّ طاغيًا على المقصدِ التربويّ ذاتِه.

ومع ذلك، فإنّ هذه الصعوباتِ لا تُلغي الأثرَ الكبيرَ الذي يُحدِثه الشّعر، ولا يقلّل من أهمّيتِه، بل يجدُ كثيرٌ من المتلقّين في هذا الخطابِ امتدادًا لجذورهم الثقافيّة، ومصدرًا للثقة والاطمئنان، حتى وإن استعصى عليهِم التأويل والفهم؛ فالإيقاعُ الموسيقيّ للشعرِ، يكفي ليضربَ على أوتارِ النّفسِ فتطرَبُ له، كما أنّ التحدّثَ بلغةٍ رصينة، يُضفي على الفِكرةِ ثِقلًا ومعنى.

إنّ نجاحَ هذا الأسلوبِ أو تعثّره لا يرتبطُ بفصاحةِ اللغةِ الخطابيّةِ وحدَها، ولا بكثرةِ الاقتباساتِ الأدبيّةِ والشعريّة، بل بمدى قدرةِ التربويّ على تحقيق توازنٍ بين العُمق اللغويّ ووضوحِ الرسالة، وهذا يتطلّبُ من التربويّ وعيًا عندَ اختيارِهِ لذكرِ بيتٍ شعريّ أو اقتباسٍ أدبيّ، فيضعُه في سياقِهِ المناسب بِما يخدمُ الفكرة ولا يطغى عليها، ليحافظَ على مسافةٍ قريبةٍ من المتلقّي، جاعِلًا من الشعرِ جسرًا لا حاجِزًا لغويًا بينَهما.

يمكنُ النظرُ إلى تجربةِ الدكتور خليل الزيود بوصفِها نموذجًا لخطابٍ تربويّ اختارَ أن يستندَ إلى الشعرِ القديم، لا بوصفِهِ مادةً جماليّة، بل باعتبارِه أداةً لبناءِ المعنى وترسيخِ القيم، فاعتمادُه على المتنبي وسِواه من شعراءِ الأدبِ العربيّ، يعكسُ رؤية تربويّة تؤمِنُ بأنّ اللغةَ ليسَت وسيطًا محايدًا، وإنّما هي جزءٌ من الفِعل التربويّ.

إنّ تجربةَ الدكتور الزيود جديرةٌ بالتأمّلِ والقراءة، لا بوصفِها نموذجًا نهائيًا أو مكتملًا، بل مسارًا قابِلاً للتطوير، يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمامَ الخِطاب التربويّ، ويحفّزُ على إعادةِ النظرِ والتفكيرِ في علاقةِ التربيةِ باللغة، وفي إمكانيّةِ استثمارِ التراثِ الأدبيّ العربيّ كموردٍ لا ينضب، وإرثًا يصِلُ بين الماضي والحاضرَ والمستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :