المناخ .. بين البيئة والسياسة
حسن عبدالحميد الرواشدة
28-07-2026 01:33 PM
لم تعد آثار التغير المناخي تُقاس فقط بدرجات الحرارة أو معدلات الهطل المطري، بل باتت تُقاس أيضاً باتجاه حركة البشر. ففي العديد من دول العالم أصبح المناخ عاملاً يعيد رسم الخرائط السكانية ويغيّر أولويات الحكومات ويحوّل قضايا البيئة إلى ملفات أمن قومي واقتصاد وتنمية.
أعادت الورقة التي أصدرها مؤخراً منتدى الابتكار والتنمية حول الهجرة المناخية في الأردن فتح نقاش يستحق أن يتجاوز حدود البيئة، إلى السياسة والاقتصاد والأمن الوطني. ففي العديد من دول العالم، أصبح المناخ عاملاً يعيد رسم الخرائط السكانية، ويغيّر أولويات الحكومات، ويحوّل قضايا البيئة إلى ملفات أمن قومي واقتصاد وتنمية.
غير أن المناخ وحده لا يدفع الناس إلى الرحيل ولست أكتب هذا من موقع المراقب فقط. فأنا ابن قرية في جنوب الأردن كانت، حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، تعتمد على نمط زراعي وفّر لأهلها ما يشبه الاكتفاء الذاتي. كانت القرية تضم آلاف السكان، وكانت الأرض قادرة على إعالة أبنائها. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بصورة لافتة القرية تكاد تكون شبه خالية، والإنتاج الزراعي تراجع إلى حد يقترب من التوقف. لا أدّعي أن التغير المناخي وحده هو من صنع هذا التحول، فالهجرة، والتعليم، والاقتصاد، وتحولات المجتمع لعبت جميعها أدوارا أساسية. لكن هذه التجربة الشخصية تجعلني أكثر اقتناعاً بأن السؤال لم يعد إن كان المناخ يؤثر في حركة السكان، بل إلى أي مدى أصبح جزءاً من شبكة العوامل التي تعيد تشكيل الجغرافيا البشرية في الأردن.
في الأردن، لا تزال عبارة "الهجرة المناخية" محل نقاش علمي أكثر منها حقيقة إحصائية مكتملة الأركان. فلا توجد حتى اليوم قاعدة بيانات وطنية تربط انتقال السكان بالعوامل المناخية بصورة مباشرة، لكن ذلك لا يعني غياب الظاهرة، بقدر ما يعكس غياب أدوات قياسها. والمؤشرات المتراكمة تستحق التوقف أمامها قبل أن تتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.
فالأردن يُعد من أكثر دول العالم فقراً بالمياه، إذ لا تتجاوز حصة الفرد السنوية من الموارد المائية المتجددة نحو 61 متراً مكعباً، مقارنة بخط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً. وفي الوقت نفسه، تشير السيناريوهات المناخية إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الجفاف وعدم انتظام الهطل المطري، وهي عوامل تضغط بصورة مباشرة على القطاع الزراعي والمجتمعات الريفية التي تعتمد على الموارد الطبيعية كمصدر رئيسي للدخل.
غير أن المناخ وحده لا يدفع الناس إلى الرحيل. فالقرار البشري أكثر تعقيداً من أن يفسَّر بدرجة حرارة أو موسم جفاف. ما يحدث في الأردن هو تفاعل بين المناخ والاقتصاد والخدمات العامة وسوق العمل. فعندما تتراجع جدوى الزراعة، وترتفع كلف المياه والطاقة والأعلاف والأسمدة، ويصبح التعليم والعمل والخدمات الصحية أكثر جاذبية في المدن، فإن الهجرة الداخلية تصبح نتيجة منطقية لتراكم الضغوط، لا لسبب منفرد.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى القضية بوصفها ملفاً تنموياً، لا بيئياً فقط. فالانتقال من الريف إلى المدن لا يقتصر أثره على القرى التي تخسر جزءاً كبيرا من سكانها، بل يمتد إلى المدن التي تستقبل ضغوطاً إضافية على الإسكان، والبنية التحتية، والمياه، والنقل، والتعليم، والرعاية الصحية، وسوق العمل. ومع مرور الوقت، تتحول المشكلة من اختلال في توزيع السكان إلى تحدٍ يمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي.
ويزداد الأمر حساسية إذا ما رُبط بالأمن الغذائي. فكل تراجع في الإنتاج الزراعي المحلي يعني اعتماداً أكبر على الاستيراد، في وقت أصبحت فيه الأسواق العالمية أكثر اضطراباً بفعل النزاعات، وارتفاع تكاليف الشحن، والتغيرات المناخية التي تضرب مناطق الإنتاج الزراعي حول العالم. ولم يعد الأمن الغذائي يُقاس فقط بتوافر الغذاء، بل أيضاً بقدرة الدولة على إنتاج جزء معقول من احتياجاتها، والحفاظ على المجتمعات التي تقوم بهذا الإنتاج.
السؤال حول وجود ما يمكن وصفه بالهجرة المناخية يقود إلى فجوة مؤسسية واضحة. فالأردن يمتلك بيانات عن السكان، والمياه، والزراعة، والفقر، والمناخ، لكن هذه البيانات ما تزال تعمل في جزر منفصلة. والمطلوب اليوم بناء منظومة وطنية تربط هذه المؤشرات ببعضها، بما يسمح بفهم العلاقة بين التغير المناخي والتحولات السكانية، ورسم سياسات تستند إلى الأدلة لا إلى الانطباعات.
أكثر ما تحتاجه المرحلة المقبلة هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر. فبدلاً من انتظار تراجع الإنتاج الزراعي أو اتساع الفجوة المائية، ينبغي الاستثمار في تعزيز صمود المجتمعات المحلية عبر حصاد المياه، والزراعة الذكية مناخياً، والطاقة المتجددة في الريف، ودعم سلاسل القيمة الزراعية، وحماية الأراضي الزراعية من الزحف العمراني، وخلق فرص اقتصادية تجعل البقاء في الريف خياراً مجدياً لا اضطراراً.
كما أن مفهوم "القرى الإنتاجية الذكية مناخياً" يستحق أن يُطرح للنقاش بوصفه نموذجاً تنموياً، لا مجرد مشروع زراعي. فربط المياه والطاقة والاقتصاد الأخضر والخدمات الرقمية في المجتمعات الريفية قد يكون أقل كلفة بكثير من معالجة آثار الهجرة بعد وقوعها، وأكثر فاعلية في تحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات.
سياسياً، تمثل هذه القضية اختباراً لطبيعة التخطيط طويل الأمد في الدولة. فالتغير المناخي لا ينتظر دورة انتخابية، ولا يعمل وفق موازنات سنوية، بل يفرض مساراً تراكمياً يمتد لعقود. والدول التي تنجح في التكيف ليست بالضرورة الأغنى، وإنما تلك التي تقرأ المؤشرات مبكراً وتحوّلها إلى سياسات استباقية.
قد لا يكون الأردن اليوم أمام موجات هجرة مناخية واسعة بالمفهوم المتداول عالمياً، لكنه يقف أمام منظومة من الضغوط البيئية والاقتصادية والديموغرافية التي تستحق أن تُقرأ باعتبارها إنذاراً مبكراً. والتعامل مع هذا الإنذار لا يبدأ بإثبات المصطلح، بل ببناء المعرفة، وتكامل البيانات، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.
ففي النهاية، ليست أخطر نتائج التغير المناخي أن تقل المياه فحسب، بل أن يتغير المكان الذي يختار الناس أن يعيشوا فيه. وعندما تبدأ البيئة بإعادة رسم الخريطة السكانية، فإن القضية لم تعد شأناً بيئياً، بل أصبحت قضية دولة.
لم يعد السؤال في الأردن كيف نوفر مزيداً من المياه فقط، بل كيف نمنع أن يتحول نقص المياه إلى قوة تعيد توزيع السكان والفرص والثروة داخل الدولة.