الكويت في مواجهة التحديات الراهنة
السفير جمعة العبادي
28-07-2026 12:56 PM
في زمن تتعاظم فيه التحديات الإقليمية والدولية، وتزداد فيه الحاجة إلى الحكمة والاعتدال، تواصل دولة الكويت الشقيقة مسيرتها بثقة وثبات، مستندة إلى قيادة حكيمة، وشعب عرف عبر تاريخه بالتماسك والالتفاف حول وطنه وقيادته ، حيث أثبتت الكويت في مختلف المحطات التي مرت بها أن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بصلابة مؤسساتها، ووحدة مجتمعها، ورسوخ قيمها، وحسن إدارتها للأزمات.
لقد واجهت الكويت خلال تاريخها الحديث تحديات جسيمة ومفصلية ، كان أبرزها الاحتلال العراقي عام 1990، إلا أنها خرجت من تلك المحنة أكثر قوة ووحدة وإيماناً بدولتها ومؤسساتها، لتواصل مسيرة البناء والتنمية، محافظة على نهجها القائم على الاعتدال، واحترام القانون الدولي، وتعزيز الأمن والاستقرار في محيطها الخليجي والعربي.
واليوم، وفي ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتوترات، واستهداف لأمنها وسيادتها ، تواصل دولة الكويت أداء دورها بحكمة واتزان، واضعةً أمنها الوطني وأمن الخليج العربي في مقدمة أولوياتها، ومؤمنة بأن الاستقرار هو المدخل الحقيقي للسلم الإقليمي وللتنمية والازدهار.
ولم يكن دور الكويت يوماً محصوراً في حدودها الوطنية، بل تجاوزها إلى فضاء العمل العربي والإنساني والدولي. وقد رسخت مكانتها باعتبارها إحدى أهم الدول الداعمة للتنمية والعمل الإنساني، حتى استحقت أن تكون مركزاً للعمل الإنساني، وأن يُكرَّم أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله ، بلقب “قائد العمل الإنساني”، في اعتراف عالميّ يعكس حجم إسهاماتها وعطائها الإنساني على المستوى الدولي .
ويأتي الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية شاهداً على هذه الرسالة الإنسانية، فمنذ تأسيسه عام 1961 أسهم في تمويل آلاف المشاريع التنموية في الدول العربية وفي الدول النامية، وكان للأردن نصيب وافر من هذه المشاريع التي دعمت مسيرة التنمية الوطنية، في تجسيد عملي لعمق العلاقات الأخوية بين البلدين ، وقد سبق لي خلال فترة وجودي في الكويت أن وصفت الصندوق الكويتي بأنه ذراع الكويت الخيّر الممدود إلى أشقائه وإلى العالم .
تقوم العلاقات الأردنية الكويتية على أسس راسخة من الثقة والاحترام المتبادل ووحدة الرؤية، وهي علاقات تعززها الروابط التاريخية بين القيادتين والشعبين الشقيقين، والتنسيق المستمر بين القيادتين وعلى كافة المستويات ، حيال مختلف القضايا العربية والإقليمية والدولية .
وتلعب الجالية الأردنية في الكويت دوراً هاماً في تعزيز أواصر وروابط الأخوة بين البلدين ، حيث تحظى بمكانة متميزة من لدن القيادة والشعب الكويتي ، إذ أسهمت عبر العقود الماضية في بناء مؤسسات الدولة الكويتية ، في قطاعات التعليم والصحة والهندسة والقضاء والإعلام وغيرها ، وكانت دائماً موضع تقدير واحترام، في صورة تعكس العلاقات الأخوية المتميزة بين الشعبين الشقيقين .
وقد حظيت شخصياً بشرف تمثيل المملكة الأردنية الهاشمية سفيراً لدى دولة الكويت لمدة سبع سنوات، كانت من أغنى محطات مسيرتي الدبلوماسية ، لمست خلالها عن قرب أصالة الشعب الكويتي ، وعمق انتمائه لوطنه ولعروبته ، كما واكبت مسيرة العلاقات المتميزة بين القيادتين والبلدين، وحرص المسؤولين في الكويت على الارتقاء بها إلى مستويات وآفاق أرحب في مختلف المجالات .
وفي هذا السياق لعل أبرز ما يميز المجتمع الكويتي الديوانيات الكويتية، التي تمثل مؤسسة اجتماعية وثقافية وسياسية فريدة، ومنابر للحوار وتبادل الرأي، تعكس حيوية المجتمع الكويتي وإيمانه بقيم المشاركة والانفتاح واحترام الرأي الآخر. وأتاحت هذه الديوانيات ، التي كنت أواظب على زيارتها في إطار التواصل والديبلوماسية الشعبية ، الفرصه للتعرف إلى المجتمع الكويتي ونخبه الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاعلاميه ، وإلى روح المسؤولية الوطنية التي يتحلى بها أبناء الكويت.
وقد شكلت الكويت إحدى أهم العواصم الثقافية العربية، حيث آمنت مبكراً بأن الثقافة والمعرفة ركيزتان أساسيتان في بناء الإنسان . وأسهمت الصحافة الكويتية، بما عرفت به من مهنية وريادة وسقف عالٍ من الحرية ، في إثراء الحياة الفكرية العربية، وكانت منبراً للحوار والتنوير، ومقصداً للمثقفين والكتاب العرب.
وفي الذهنية والذاكرة الثقافية العربية
تظل مجلة العربي، منذ صدورها عام 1958، من أبرز الإنجازات الثقافية العربية، إذ حملت رسالة معرفية وإنسانية إلى كل بيت عربي، وأسهمت في تشكيل الوعي الثقافي لأجيال متعاقبة، ومثلت أهم أدوات القوة الناعمة للكويت، ورمزاً لدورها الحضاري في خدمة الثقافة العربية.
لقد استطاعت الكويت، بفضل هذا المزيج المتوازن من الحكمة السياسية، والعطاء الإنساني، والانفتاح الثقافي، أن تقدم نموذجاً عربياً يحتذى في الاعتدال والمسؤولية والالتزام بقضايا الأمة.
ومن هذا المنطلق، وفي ظل الظروف الراهنة ، فإن أمن الكويت واستقرارها يمثلان جزءاً لا يتجزأ من أمن الخليج العربي والأمن القومي العربي، وهو ما يستوجب موقفاً عربياً موحداً في دعمها ومساندتها في مواجهة أي اعتداء أو تهديد يستهدف سيادتها أو أمنها أو سلامة أراضيها. كما أن أي اعتداءات أو تهديدات تمس الأردن أو دول الخليج العربية تمثل مساساً بأمن المنطقة واستقرارها، وهي مرفوضة ومدانة، وتتعارض مع مبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ومن واقع تجربتي الشخصية في الكويت، لا أكتب هذه الكلمات من منظور دبلوماسي فحسب، بل كشهادة وفاء ومحبة لدولة شقيقه عرفتُها عن قرب، ولمستُ فيها أصالة شعبها ، وحكمه قيادتها ، وعمق الانتماء الوطني، والإيمان الراسخ بأن التضامن العربي هو السبيل إلى مواجهة التحديات وصون الأمن والاستقرار.
حفظ الله الأردن وقيادته الهاشمية الحكيمة ، وحفظ دولة الكويت، قيادةً وشعباً، وأدام عليهما نعمة الأمن والأمان والاستقرار والازدهار، ، وأدام روابط الأخوة التي تجمعهما ، ليظلا منارةً للحكمة والاعتدال ورافعة راسخة للتضامن والعمل العربي المشترك .