facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




القناعة كنز لا يفنى


ياسمين عياد
29-07-2026 12:15 PM

تتداعى على إنسان العصر الحديث جحافل المغريات المادية، ويسحبه إيقاع الحياة المتسارع إلى حلبة سباقٍ محموم لا ينتهي، سباقٍ يجعله مشدود البصر دائماً نحو ما ينقصه، غافلاً عما بين يديه، فيورثه ذلك اشتعالاً لا يهدأ من القلق، وشعوراً زائفاً بعدم الأمان. وفي وسط هذا الركض العبثي، تتجلى القناعة كطوق نجاة، وضرورة نفسية وروحية لا غنى عنها لإعادة الإنسان إلى مرافئ السلام الداخلي وتوازنه المفقود. إن القناعة ليست مجرد زهدٍ سلبي أو استغناء ظاهر، بل هي امتلاءٌ قلبي عميق بالرضا، ونظرٌ إلى النعم المتاحة بعين الشكر والامتنان، بدلاً من استهلاك العمر في الحسرة على ما في أيدي الآخرين.
ولعل أبرز ما يفسد هذا المفهوم العظيم هو خلط البعض بين القناعة والكسل، فالقناعة لا تعني أبداً خمول الهمة، أو التخلي عن الطموح، أو الرضا بالدون والتوقف عن عمارة الأرض. بل هي على الضد من ذلك تماماً، إنها السعي الحثيث وبذل أقصى الجهد في الأسباب، مع التسليم الواعي والراضي بالنتائج، لإيمان الإنسان بأن الأقدار تجري بحكمةٍ بالغة. هي الطاقة النفسية التي تجعل المرء يعمل ويكافح دون أن تحرقه نار الطمع، ويتطلع للأفضل دون أن ينهكه الحسد.
وحين تستقر هذه الفضيلة في أعماق النفس، تمنح صاحبها حصانةً عاتية ضد آفة المقارنات الهدامة، خاصة في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تفرض أنماطاً غير واقعية من الاستهلاك والرفاهية، مما أورث الكثيرين شعوراً دائماً بالغبن. والإنسان القنوع، بفضل تصالحه مع ذاته، يتجاوز هذه الفخاخ البصرية؛ فهو يعلم أن قيمة الإنسان تكمن في جوهره وراحة باله، لا في كثرة المقتنيات. ولا يقف أثر القناعة عند حدود الفرد، بل يمتد ليشكل درعاً واقياً للمجتمع بأكمله؛ فعندما يقل الطمع وتذوب الأحقاد، تتراجع دواعي الجريمة والعدوان، وتستبدل منافسات الاستحواذ بروابط التكافل والمحبة والوئام.
إن القناعة في جوهرها ليست إلا حرية حقيقية وتحريراً للروح؛ فالمستزيد بطمعٍ وجشع يظل عبداً لرغباته لا يشبعه شيء، وكلما ملك شيئاً زاد ظمؤه لما بعده. أما القنوع فهو الملك الحقيقي الذي استطاع أن يحرر إرادته من قيد الماديات، ويشتري راحة باله وصحة جسده، ليكون بحق مَن قيل فيه إن "القناعة كنزٌ لا يفنى". إنها الفلسفة الأسمى لعيشٍ طيب ومطمئن، يجعل الإنسان يرى في قطرة الماء بحراً، وفي القوت اليومي ملكاً عريضاً، متسلحاً بالحكمة الخالدة: من ملك القناعة، فقد ملك الدنيا بأسرها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :