facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




منتدى الأردن لحوار السياسات .. حين تصبح الخبرة الوطنية قوة للدولة


فيصل تايه
01-08-2026 09:36 AM

كان لي شرف حضور الندوة الحوارية المتخصصة التي نظمها منتدى الأردن لحوار السياسات برئاسة الدكتور حميد البطاينة حول "مشروع قانون الإدارة المحلية .. الواقع والتطلعات"، والتي أدارها النائب الدكتور مصطفى العماوي، وشارك فيها رئيس اللجنة الإدارية في مجلس النواب النائب خليفة الديات، ورئيس بلدية جرش الكبرى السابق الدكتور علي قوقزة، وعدد من أعضاء مجلس النواب، ونخبة من الخبراء والأكاديميين ورؤساء البلديات السابقين وأعضاء مجالس المحافظات والبلديات وممثلي مؤسسات المجتمع المدني والإعلاميين.

ولم تكن أهمية هذه الندوة في كونها ناقشت مشروع قانون يرتبط بأحد الملفات الأساسية في مسار التحديث الإداري فحسب، بل في كونها شكلت مساحة وطنية التقت فيها الخبرة التشريعية بالرؤية الإدارية والميدانية، لطرح السؤال الأكثر أهمية: كيف ننتقل بالقوانين من رفوف التشريع إلى أثر ملموس يلامس حياة المواطن؟

فالتشريعات، مهما بلغت دقتها، لا تصنع التغيير بمفردها؛ وإنما تكمن قيمتها في قدرتها على التحول إلى ممارسة مؤسسية، وإلى ثقافة عمل قادرة على تحقيق النتائج.

وخلال مداخلتي في الندوة، أكدت أن الرهان الحقيقي في ملف الإدارة المحلية لا يتعلق بإقرار قانون جديد فحسب، بل بقدرتنا على تحويل التشريع إلى ثقافة مؤسسية تنموية قادرة على التأثير والإنتاج في الميدان.

وأشرت إلى أن التجارب السابقة كشفت أن التحدي الأكبر لم يكن دائماً في صياغة النصوص، وإنما في الفجوة بين التشريع والتنفيذ؛ فنجاح الإدارة المحلية يتطلب بناء منظومة تمكين حقيقية تربط الصلاحيات بالمسؤولية، والمسؤولية بالمساءلة، والمساءلة بمؤشرات أداء واضحة تقيس الإنجاز والأثر.

كما أكدت أهمية إعادة تعريف دور المجالس المحلية والمحافظات، بحيث لا تبقى أسيرة الدور الخدمي التقليدي، بل تنتقل إلى دور تنموي واستثماري أوسع، يمتلك القدرة على بناء الشراكات، واستثمار الإمكانات المحلية، وتحويل المحافظات إلى وحدات إنتاج وتنمية قادرة على الاستجابة لأولويات مجتمعاتها.

وأنا أستعيد تفاصيل هذا الحوار، عادت بي الذاكرة إلى قناعة ترسخت لدي خلال عقود من العمل المباشر في الميدانين التربوي والإداري، ومتابعة قضايا الشأن العام؛ وهي أن الدول لا تعاني غالبًا من شُحّ الخبرات، بقدر ما تحتاج إلى الأطر المؤسسية القادرة على حشد هذه الطاقات وتوجيهها نحو بناء الحلول وصناعة السياسات.

فالخبرة الوطنية ليست تركة شخصية تنتهي بطي صفحة الوظيفة أو مغادرة الموقع المسكون بالمسؤولية، وإنما هي رصيد مؤسسي وذاكرة وطنية حية قادرة على قراءة التحديات واستشراف المستقبل، متى ما وجدت البيئة التي تحول المعرفة الفردية إلى قوة جماعية مؤطرة.

ومن واقع المعاينة الميدانية والتجربة المباشرة، كثيراً ما رأينا خططاً استراتيجية وتشريعات صيغت بأعلى درجات الحرفية، لكنها تعثرت عند أعتاب التنفيذ؛ لأن الفجوة بين النص والتطبيق بقيت تمثل أحد أكبر تحديات الإصلاح. ومن هنا يغدو الحوار بين الخبراء وصناع القرار ضرورة وطنية، وليس مجرد مساحة لتبادل الآراء.

وهنا تتجلى قيمة منتدى الأردن لحوار السياسات؛ فهو لا يختزل دوره في تنظيم اللقاءات الحوارية، بل يمثل منصة وطنية مستقلة تسعى إلى تحويل الخبرة المتراكمة إلى معرفة قابلة للتوظيف في تطوير السياسات العامة.

ويأتي هذا الدور في إطار الجهد الذي يقوده رئيس المنتدى الدكتور حميد البطاينة لترسيخ ثقافة الحوار الوطني، وبناء مساحة مستقلة تلتقي فيها الخبرات الأردنية المختلفة حول القضايا ذات الأولوية، انطلاقاً من إيمان بأن صناعة السياسات الفاعلة تحتاج إلى شراكة حقيقية بين المعرفة وصانع القرار.

وتكمن قوة المنتدى في رصيده البشري والمعرفي؛ إذ يضم نخبة واسعة من الشخصيات الوطنية ذات التجارب العميقة في مختلف مفاصل الدولة والمجتمع، من أكاديميين وخبراء وبرلمانيين حاليين وسابقين وإعلاميين وقيادات مجتمعية.

وهذا التنوع ليس قيمة عددية فقط، بل يمثل ثروة وطنية قادرة على تفكيك التحديات، وإنتاج البدائل، ورسم رؤى أكثر واقعية وتوازنًا، بعيدًا عن الانطباعات العابرة.

كما أن استقلالية المنتدى تمنحه القدرة على أن يكون جسرًا بين المجتمع وصانع القرار، ومساحة وطنية تجمع مختلف وجهات النظر تحت مظلة المصلحة العامة، وهو ما ظهر بوضوح في طبيعة الندوة الأخيرة التي جمعت التشريع بالخبرة والممارسة.

ولا شك أن الخطوة الأكثر أهمية في مسيرة المنتدى تتمثل في الانتقال بالحوار إلى مرحلة إنتاج السياسات، من خلال إعداد أوراق موقف ودراسات متخصصة وتوصيات عملية، وهو ما بدأ المنتدى في ترسيخه من خلال توجهه لتحويل مخرجات الحوارات إلى أوراق يمكن أن تسهم في النقاش التشريعي وصناعة القرار.

كما أن تطوير منصات تخصصية داخل المنتدى تُعنى بملفات الإدارة المحلية، والإصلاح الإداري، وتمكين الشباب والمرأة، والأمن الوطني، وغيرها من القضايا الوطنية، سيعزز من دوره كبيت خبرة وطني قادر على مواكبة التحولات.

إن الأردن يمتلك رصيدًا هائلًا من الخبرات والكفاءات، والتحدي الحقيقي يكمن في كيفية استثمار هذا الرصيد وتوجيهه. فالدول الحصينة لا تترك خبراتها الوطنية خارج دائرة التأثير، بل تعيد دمجها في شرايين صناعة القرار.

فالقوانين قد تُكتب بالأقلام، لكن الأوطان تُبنى بالأفكار الناضجة، والخبرات التي تنضج الرؤية، والحوار المسؤول الذي يحول المعرفة إلى قرار، والقرار إلى أثر ملموس في حياة الناس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :