عرينُ القلب .. ومستنقعُ الحقد
محمد مطلب المجالي
02-08-2026 08:51 AM
ليس كل من صافحك استحق أن يسكن قلبك، وليس كل من خالفك أصبح عدوًا لك. فهناك رجال ونساء يفرضون احترامهم بأخلاقهم قبل كلماتهم، وبمواقفهم قبل حضورهم، فيقيمون في عرين القلب، حيث لا تنال منهم عواصف الخلاف، ولا تهزهم اختلافات الرأي. فالمحبة الصادقة لا تفسدها وجهة نظر، والوفاء لا يسقط أمام جدل عابر.
وفي المقابل، هناك من اختار أن يجعل من قلبه مستنقعًا للحقد، ومن لسانه معولًا للهدم، ومن حياته رحلةً في تتبع عثرات الآخرين. هؤلاء لا يطيقون رؤية نجاح، ولا يحتملون سماع كلمة ثناء، ولا يهنأ لهم بال حتى يحاولوا تشويه كل جميل. يظنون أن الإساءة ترفع من شأنهم، وأن التقليل من الآخرين يمنحهم قيمة، وما علموا أن فاقد الشيء لا يمنحه.
الحاقد لا يؤذي خصومه بقدر ما يؤذي نفسه؛ فهو يحمل نارًا لا تحرق إلا صدره، ويعيش أسير المقارنات، ويقتات على الغيرة، حتى يصبح عاجزًا عن تذوق طعم الطمأنينة. إن الحقد ليس قوة، بل هزيمة أخلاقية، والكراهية ليست شجاعة، بل اعتراف صامت بالعجز.
العجيب أن بعض الناس يطالبون بالاحترام وهم لا يحترمون أحدًا، وينتظرون التقدير وهم لا يقدرون إلا مصالحهم، ويتحدثون عن المبادئ بينما يتخلون عنها عند أول اختبار. يرفعون شعارات الفضيلة، لكنهم يمارسون الإقصاء، ويحسدون كل ناجح، ويستكثرون على غيرهم كلمة شكر أو نجاحًا مستحقًا.
لذلك، لا تُرهق نفسك في استرضاء من امتلأ قلبه بالسواد، ولا تطرق بابًا أغلقه الحقد من الداخل. امضِ في طريقك، واصنع أثرك، واترك لأصحاب النفوس المريضة صخبهم، فالأشجار المثمرة وحدها تُرمى بالحجارة، أما الأشجار اليابسة فلا يلتفت إليها أحد.
وفي النهاية، ستبقى القلوب الطيبة مناراتٍ يهتدي بها الناس، وستظل النفوس الحاقدة تدور في ظلامها، لأن الإنسان لا يُقاس بما يقول، بل بما يختزنه قلبه من محبة أو كراهية. فمن جعل قلبه عرينًا للمودة عاش كريمًا في قلوب الناس، ومن حوّله إلى مستنقع للحقد عاش غريبًا، وإن أحاط نفسه بألف وجه وألف ادعاء.