جرش الأربعون .. من مهرجان إلى مشروع وطن
فيصل تايه
04-08-2026 10:18 AM
مع إسدال الستار على فعاليات الدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون، لم تنتهِ مجرد أيام حافلة بالفن والموسيقى والفكر، بل أُغلقت مرحلة لتبدأ أخرى أعمق أثراً ؛ مرحلة أثبتت أن "جرش" لم يعد مجرد موعد سنوي على أجندة الفعاليات، بل تحول إلى مشروع ثقافي وطني يحمل رسالة الأردن الحضارية والتنويرية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان.
فالمهرجان الذي حافظ على حضوره لأربعة عقود، لم ينجح فقط في اختبار الاستمرارية، بل نجح في التجدد وإعادة تقديم نفسه بما ينسجم مع تطورات العصر وتطلعات الجمهور. وهذه هي المعادلة الأصعب في إدارة الشأن الثقافي: أن تحافظ على الإرث والأصالة دون الوقوع في أسر الماضي، وأن تنفتح على المستقبل دون أن تفقد الهوية الجامعة.
جاءت الدورة الأربعون لتؤكد أن الثقافة الأردنية قادرة على صناعة المشهد وصناعة الفارق، وأن الفعل الثقافي، عندما يقترن بالرؤية الواضحة والإدارة الواعية والإرادة الوطنية، يتحول من فعالية مؤقتة إلى أثر مستدام في المجتمع والوجدان.
ومن تابع تفاصيل هذه الدورة يدرك أن النجاح لم يُقاس بحجم الحضور أو تنوع المشاركات فقط، بل بالفلسفة التي قامت عليها؛ فلسفة ترى أن الفن والفكر والتراث والمجتمع المحلي عناصر متكاملة في صناعة القوة الناعمة للأردن.
ولعل الأرقام تكشف جانباً من حجم هذا النجاح؛ فقد احتضنت الدورة الأربعون أكثر من ٢٢٦ فعالية ثقافية وفنية وأدبية وتراثية، واستقبلت نحو ١٣٠ ألف زائر، بمشاركة ١٣٠٠ فنان ومبدع من الأردن والدول العربية والعالم، إلى جانب مشاركة ٣٢ دولة وحضور إعلامي واسع. لكن قيمة هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في دلالتها؛ فهي تؤكد أن جرش أصبح مساحة تلتقي فيها الثقافة بالسياحة، والإبداع بالتنمية، والهوية الوطنية بالانفتاح على العالم.
لقد تعاملت وزارة الثقافة مع هذه الدورة باعتبارها أكثر من مناسبة احتفالية، فكان واضحاً التوجه نحو إعادة تقديم المهرجان بوصفه حراكاً ثقافياً متكاملاً، يمنح المبدع الأردني مساحة أكبر، ويوازن بين المحافظة على الهوية والانفتاح على التجارب الإنسانية المختلفة.
ويُحسب لوزير الثقافة مصطفى الرواشدة، بصفته رئيس اللجنة العليا للمهرجان، أنه قاد هذه الدورة في إطار رؤية تجاوزت فكرة تنظيم حدث ثقافي إلى بناء مشروع يحمل أبعاداً وطنية وتنموية. فقد جاء التركيز على توسيع مساحة الفعل الثقافي، ودعم الإبداع الأردني، وتمكين الشباب والمرأة، وتعزيز حضور التراث والصناعات الثقافية، ليؤكد أن المهرجان يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الحراك الثقافي الأردني لا مجرد موعد سنوي.
وأقولها من موقع المتابع والمشتبك مع الشأن الثقافي الوطني: إن القيمة الأهم لهذه الدورة لم تكن في تفاصيلها فقط، بل في قدرتها على استعادة الثقة بفكرة المهرجان نفسه. فحين تنجح الثقافة في الوصول إلى الناس، وحين تتحول الفعالية إلى حالة وطنية جامعة، فإننا لا نكون أمام تجربة استطاعت أن تفهم معنى الثقافة ودورها الحقيقي.
وفي مثل هذه المحطات، وانا اكتب في هذا الموضوع ارى ان مهمة الكاتب لا تقتصر على تسجيل المشهد فقط، بل إنصافه وقراءة ما وراء تفاصيله. فالنجاح الذي تحقق في جرش الأربعين لم يكن وليد لحظة، وإنما ثمرة رؤية وعمل وجهود متراكمة شارك فيها كثيرون، ويستحق كل من أسهم في هذه التجربة أن يُذكر بما يليق بحجم عطائه.
ومن أجمل صور النجاح في هذه الدورة أن المهرجان لم يبقَ داخل حدود المسارح، بل امتد إلى المجتمع المحلي. فقد شكل حضور أصحاب المشاريع الصغيرة والحرفيين، وفي مقدمتهم سيدات المجتمع المحلي، صورة حية لمعنى أن تكون الثقافة جزءاً من التنمية. فعندما يتحول التراث والمنتج المحلي إلى فرصة اقتصادية وتمكين اجتماعي، يصبح المهرجان أقرب إلى واقع الناس وأكثر تعبيراً عن تطلعاتهم.
إن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن هذا المنجز لم تصنعه جهة واحدة، ولم يكن نتاج جهد فردي، بل كان ثمرة عمل تكاملي شاركت فيه وزارة الثقافة، واللجنة العليا للمهرجان، وإدارة المهرجان، ومحافظة جرش، وبلدية جرش الكبرى، ونشامى الأجهزة الأمنية، والكوادر التنظيمية، والإعلام الوطني، والشباب المتطوعون، وأبناء جرش الأوفياء الذين منحوا الحدث روح المدينة ودفء المكان.
فالنجاحات الكبرى تُصنع خلف الكواليس بقدر ما تظهر فوق خشبات المسارح، وما يراه الجمهور من مشهد منظم وجميل يقف خلفه جهد كبير من أشخاص قد لا تظهر أسماؤهم، لكن بصمتهم تبقى في كل تفصيل.
إن أهمية "جرش الأربعين" لا تكمن في كونها محطة جديدة تضاف إلى سجل عريق فحسب، بل في أنها قدمت نموذجاً على قدرة الأردن على تحويل الإرث الحضاري إلى طاقة حية، وجعل الثقافة إحدى ركائز الصورة الوطنية المشرقة.
ومع ختام هذه الدورة، يترسخ اليقين بأن الثقافة ليست نشاطاً موسمياً، بل خيار وطني يعكس وعي الدولة بذاتها، ويعزز حضورها الحضاري، ويصون هويتها. ومن هنا، فإن ما تحقق في جرش الأربعين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نجاحاً لدورة استثنائية وكفى ، بل باعتباره خطوة راسخة في مسيرة مشروع ثقافي أردني يستحق أن يُبنى عليه، وأن يواصل حضوره بثقة واقتدار.
جرش الأربعون لم تُسدل الستار على مهرجان فقط .. بل فتحت صفحة جديدة في مشروع ثقافي أردني يستحق أن يُبنى عليه.
والله الموفق