تصريحات عبثية .. والكلمة التي قد تُشعل الحرائق
محمد مطلب المجالي
06-08-2026 09:52 AM
في ظل هذه الظروف الحساسة، والأوضاع المحمومة التي تمر بها المنطقة، تغدو الكلمة مسؤولية وطنية قبل أن تكون رأيًا، ولم يعد مقبولًا أن يتحول بعض المتحدثين إلى منصات لإطلاق تصريحات مرتجلة، يسبق فيها الاندفاع الحكمة، ويغيب عنها تقدير العواقب. فالكلمة ليست مجرد رأي عابر، بل قد تكون شرارة تشعل الأزمات، وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
ما أخطر أن يتحدث بعضهم بثقة تفوق حجم معرفته، أو بحماسة تتجاوز حدود المسؤولية، فيقذف بالمواقف جزافًا، وكأن الأوطان حقل تجارب، أو أن مصير الشعوب يُدار بمنطق الانفعال لا بمنطق الدولة.
إن التصريحات العبثية، غير المضمونة النتائج، قد تُلقي بنا في مهاوي الردى، وتمنح الخصوم ما عجزوا عن انتزاعه، وتربك الرأي العام، وتزرع الشك بدل الطمأنينة. فالكلمة إذا خرجت من فم مسؤول أو صاحب رأي لم تعد ملكًا له، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية ووطنية قد تترتب عليها نتائج جسيمة.
ولا تقل خطورة عن التصريحات المتسرعة تلك العنتريات اللفظية، والنفخ على نار الأزمات، وإثارة المشاعر بما لا يخدم المصلحة الوطنية.
فالحماس إذا انفصل عن الحكمة تحول إلى عبء، والخطاب المنفعل لا يحصد إلا الخراب، ويمنح المتربصين فرصة لاستثمار كل كلمة وكل موقف. فالوطن وأمنه واستقراره أكبر من أن يكونا ساحةً للمزايدات أو استعراض البطولة، لأن الدول تُبنى بالحكمة، وتُحمى بالعقل، لا بانفعالات اللحظة.
الوطن اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب متزن، وإلى رجال يدركون أن التريث ليس ضعفًا، وأن ضبط الإيقاع ليس ترددًا، بل هو ذروة المسؤولية وحسن إدارة الأزمات. فالحكمة لا تُقاس بعلو الصوت، وإنما برجاحة العقل، وسلامة الموقف، وبعد النظر، وصون المصالح العليا.
لقد أثبتت التجارب أن القيادة الحكيمة، ومن يتعاملون مع السياسة بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة، هم القادرون على عبور المنعطفات الصعبة. وكم من معضلات وأزمات واجهها الأردن، فخرج منها سالمًا غانمًا بفضل حكمة القيادة، ورصانة القرار، وحسن إدارة الملفات، وتغليب المصلحة الوطنية على كل اعتبار.
وسيذكر التاريخ أصحاب المواقف الرزينة، كما سيكشف أولئك الذين ظنوا أن كثرة التصريحات تصنع الزعامة، فإذا بها لا تصنع إلا مزيدًا من الارتباك، وتفتح أبوابًا لا تخدم إلا المتربصين بالأوطان.
حين يتعلق الأمر بالوطن، فالصمت الحكيم خير من تصريح متهور، والكلمة المسؤولة أشرف من ألف خطاب يستجلب التصفيق ويترك خلفه الأوطان تدفع الثمن. فالأردن كان وسيبقى أكبر من المزايدات، وأسمى من العنتريات، وأغلى من أن يُزج به في معارك الكلمات.
حمى الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل الحكمة عنوان كل موقف، والكلمة المسؤولة نبراس كل من يتصدى للشأن العام.