خاطرة من شاهد على مسيرة الدولة الأردنية
فالح سلامة
11-08-2026 12:56 AM
جال في مخيالي عندما عزمت على كتابة هذه الخاطرة ما ورثناه في المؤسّسة العسكرية من تقاليد وأعراف، ومنها جملة كانت تُختتم بها الكتب والبرقيات الموجّهة إلى قادة القطعات والوحدات، تأمرهم فيها بالتحرّك والانتقال من منطقة إلى أخرى، من دون تفسير المسوّغات والمبرّرات وينتهي الأمر الصارم بعبارة "لأسباب تعلمها القيادة".
وفي خضم مُعاينة حالة أردنية تتمثّل في الانشغالات المحمومة لدى المواطنين (مسؤولين ورعايا) بدوامة التغييرات الحكومية والتعيينات والتشكيلات والترقيات، يبرز سؤالٌ يتخطّاه أو يتجاهله المحلّلون والمنظّرون والمراقبون: لماذا لم تصل بعض الشخصيات إلى سدّة رئاسة الحكومة أو الوزارة، رغم توافر كلّ المقوّمات والمؤهّلات والخبرات والمزايا لديها، بينما تتبوّأ هذه المناصب اللامعة والألقاب (بالمقاييس المحلية المتخلّفة) كثير من الوجوه التي لا تتمتّع بأيٍّ من تلك المؤهّلات والكفاءات والإنجازات، وجاء بعضها من المجهول أو حملتها المُصادفة أو اعتبارات المُحاصصة والاسترضاء وتزكية جهات نافذة وعلاقات شخصية، ومعظمهم من طبقة الموظفين المدنيين والعسكريين التكنوقراط الذين تمّ دفعهم ورعايتهم وتقفيزهم. والنتيجة ما نراه من انحدار البنية الهيكلية والوظيفية للدولة وتردّيها، وانعدام ثقة المواطنين، وتفشّي الفساد والتجاوزات، والفشل والتراجع المُذهل في مختلف القطاعات، وتصاعد مستويات الهدر والمديونية، والأهم تقزيم الوضع الاعتباري والسياسي والولاية العامة لمجلس الوزراء وأعضائه إلى وضعٍ يمكن تسميته "مهمة تسيير الأعمال"، وأهم صفة ترافق هذا الوضع الجمود والتراجع وعدم التطوير والتجديد والتنمية الخلاقة، ففاقد الشيء لا يعطيه.
هذه حقائق ماثلة، ولا يعنيني، في هذا المقام، تأكيد المؤكّد أو توضيح المعلوم فيما يخصّ معظم الوجوه التي أتت ومن سيتلوها أو يجري دفعها وتبنيها وتدويرها. إنما يلفت نظري بقوّة مرّة أخرى سؤال جوهري ملحّ ومزمن: لماذا لم تدرك هذه المناصب الرئاسية والوزارية شخصيات استثنائية سطع نجمها وظهرت إنجازاتها في مجالات عملها أو في جوانب متعدّدة تميّزت فيها في الحقول الحزبية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والأكاديمية والثقافية والعلمية والإعلامية والنقابيّة والأمنية وبناء المؤسسات، وسجلات عريضة من الإنجازات وبصمات وآثار ماثلة وباقية؟
ويذكر التاريخ من هذه الفئة المُميّزة (على سبيل المثال) وجوهاً، رحل بعضها عنا إلى رحمة الله، وبعضها ما زال بيننا (مريضاً أو معتكفاً أو مُهمّشاً أو مُنخرطاً بانشغالات ومجالات عمل واختصاص). وأورد ما يخطر على البال من أسماء هذه القامات (من دون تسلسل تاريخي أو أولوية معينة، وحسب ما أسعفتني الذاكرة): علي مسمار وموسى الساكت وفاروق الكيلاني وعبد اللطيف عربيات وليث شبيلات وعلي أبو نوار ويعقوب زيادين وعبد الله التل ومشهور حديثه وسميح البطيخي وعلي غندور ومحمد كمال ومازن العرموطي وسعد خير وعلي محافظة وصبيح المصري وحاكم الفايز وتوجان فيصل ودريد محاسنة ومحمد عودة القرعان وصالح العرموطي وعبد الكريم غرايبة وعبد الكريم خليفة ومحمد عبد الرحمن خليفة وضافي الجمعاني وعصام بدير وأمين شقير وبهجت المحيسن، وعديدون غيرهم من الذوات.
لماذا جرى استثناء هذه الشخصيات من بورصة الرئاسات والوزارات، وقد صنّف رئيس وزراء مخضرم (أطال الله عمره) بعض هذه الشخصيات، بأنّهم، بحضورهم وكفاءاتهم ومؤهلاتهم، "فوق الرئاسات" و"فوق الوزارات"، وبعضهم قام بمهام وأدوار فائقة الحساسية، بالمقارنة مع الحضور الباهت "لمسؤولي الحظوة والمصادفة"
قبل محاولة الإجابة عن هذا التساؤل، لا بدّ من التنويه والتأكيد أنّ من أسباب التشوّه الهيكلي للأداء الحكومي في الأردن الخطّ البياني المُنحدر باضطراد في أهمية أدوار وصلاحيات رؤساء الوزارات والوزراء ومجلس الوزراء كمؤسّسة، وتعاظم سلطات وهيئات من خارج منظومة المجلس ورئيسه، وإيلاء مهام حسّاسة معلومة وغير معلومة، خارجية وداخلية، إلى أشخاص ثقات بعينهم من خلف ظهر الحكومة، ومنها مهام تأسيسية بدعم مباشر وتوجيه جهات عليا. يقابل هذا، في بعض الحالات، تمنّع بعض الشخصيات من المذكورين عن قبول مناصب رئاسية ووزارية من باب الترفّع، أو بسبب عدم الانسجام السياسي، أو عدم الرغبة في الدخول إلى دائرة الضوء أو التخلّي عن مصالح تجارية وخاصة. والأهم أنّ بعض الشخصيات المُشار إليها اصطدمت بفيتو مانع ونقض واعتراض بعض الجهات النافذة من مصادر محلية وخارجية.
هذا مع الإشارة، كما ذكرنا آنفاً، إلى التغيّر المُضطرد في المفاهيم، والنظرة إلى شاغلي منصب رئيس الوزراء والوزراء من أصحاب سلطة قرار سياديّة سياسية وولاية عامة إلى مسؤولين إداريين تكنوقراط، بحيث أصبح رئيس الحكومة أو الوزير، في واقع الأمر، موظّفاً برتبة رئيس حكومة أو وزير ارتقى كلّ منهم السلّم الوظيفي البيروقراطي (وجلّهم موظّفون مدنيون وعسكريون)، وتمّ ترقيتهم وتقفيزهم واختيارهم على أسس العلاقات الشخصية والمُحاصصة والاسترضاء والمناطقية، واجتياز تقديرات الولاء والطاعة، وكلّ الاعتبارات التي لا تمتُّ إلى معايير الكفاءة والخبرة والقدرات، وسجل الإنجازات في مجالاتهم المختلفة.
بناء عليه، وصف الرئيس السابق المُنوّه إليه لدائرة ضيقة من الأصدقاء، أنّ الشخصيات المُستبعدة كانت طاقة وطنية مهدورة وخسارة موصوفة. ويبقى ماثلاً أنّه مهما جرى من تسويق وتعميم لمروحة واسعة من التبريرات والتسبيحات لهذه الحالة، وما رافقها من حملات تشويه واغتيال شخصية، فإنّ ما يطفو على السطح التعبير العسكري الراسخ: "لأسباب تعلمها القيادة"!
العربي الجديد