عندما تتعدد الجهات الرقابية وتبقى المخاطر: أين الخلل؟
المعتز بالله الرداد
11-08-2026 12:01 PM
في العمل الحكومي، قد تُراجَع المعاملة الواحدة أكثر من مرة، وتُطلب الوثيقة نفسها من أكثر من جهة، وتتقاطع زيارات التفتيش حتى تكاد تتزاحم، لتنتهي الدورة كلها بتقارير متعددة تتشابه ملاحظاتها. ومع هذا الزخم الرقابي، تبقى مخاطر استراتيجية — كالأمن السيبراني واستمرارية الخدمات وكفاءة المشاريع الكبرى وجودة البيانات — بلا تغطية كافية. والمشكلة هنا ليست، بالضرورة، نقصاً في الرقابة، بل غياب رؤية تجمع أعمال الرقابة والتدقيق والتفتيش وإدارة المخاطر في صورة واحدة.
في الأردن، أعلن ديوان المحاسبة أن أعماله خلال عام 2024 حققت وفراً مالياً بلغ 22.3 مليون دينار عبر 123,369 مهمة رقابية. أرقام تستحق التقدير، لكنها تفتح باباً لسؤال أهم: هل نقيس قوة المنظومة الرقابية بعدد المهام والتقارير، أم بقدرتها على كشف المخاطر ذات الأولوية ومنع تكرار الخلل؟
فالرقابة الفاعلة لا تُقاس بكثافة الزيارات وحدها. قد تُثقَل المؤسسة بطلبات أدلة متكررة في موضوعات متقاربة، بينما لا يملك أحد جواباً واضحاً عن مستوى التغطية الفعلية لمخاطرها الكبرى. وقد يتكرر الاختبار نفسه لأن كل جهة تعمل وفق خطتها الخاصة، لا لحاجة موضوعية لإعادة الفحص؛ في حين تُترك مخاطر ناشئة دون فحص، لأنها تقع بين اختصاصين، أو لأن كل جهة تفترض أن غيرها يغطيها.
هذا ما يعالجه مفهوم «التأكيد المتكامل»: تنسيق نطاقات الجهات الرقابية وتوقيتها ونتائجها — لا دمجها ولا الانتقاص من استقلالها — وتحديد متى يجوز لجهة أن تعتمد، بضوابط واضحة، على عمل جهة أخرى بدل تكراره. وتؤكد المعايير الدولية للتدقيق الداخلي هذا التوجه؛ إذ يطلب المعيار 9.5 التنسيق مع مقدمي خدمات التأكيد والنظر في الاعتماد على أعمالهم، شرط تقييم استقلال الجهة الأخرى وكفاءتها وجودة عملها، مع بقاء المسؤولية عن النتيجة على من اعتمد عليها.
والأداة العملية لذلك هي «خريطة التأكيد»: مصفوفة تربط كل مخاطرة كبرى بالجهة المالكة لها، ومن يراقبها، ومن يقدّم تأكيداً مستقلاً بشأنها. خريطة لا تبدأ بأسماء الأجهزة، بل بالسؤال: من يغطي هذا الخطر؟ وأين تكمن التغطية المتكررة أو الضعيفة أو الغائبة؟
قد يعترض البعض بأن تعدد الجهات ضمانة لا عبء، وأن الاعتماد المتبادل يفتح ثغرة أمام الأخطاء. وهو اعتراض وجيه إن تحوّل التكامل إلى اختصار للفحص أو تبادل غير منضبط للتقارير. أما التأكيد المتكامل الحقيقي فيضع شروطاً صارمة للاعتماد، ويتيح إعادة الفحص متى دعت الحاجة، فيتحول التكرار من عرَض لغياب التنسيق إلى قرار مبني على تقييم المخاطر.
عملياً، يبدأ الإصلاح بخريطة تأكيد وطنية تجريبية تركّز على المخاطر العابرة للوزارات — المشاريع الرأسمالية، والتحول الرقمي، والأمن السيبراني، والمشتريات، واستمرارية الخدمات — يليها بروتوكول موحد للاعتماد على عمل الجهات الأخرى، ومنصة آمنة لتبادل النتائج بدل تكرار الطلب على الجهة نفسها، ومؤشرات نجاح جديدة تقيس تغطية المخاطر الحقيقية بدل عدّ الزيارات والملاحظات.
لسنا بحاجة إلى إضعاف أي جهة رقابية، وربما نحتاج فعلاً إلى قدرات إضافية في بعض المجالات. لكن إنشاء جهة جديدة كلما ظهرت مخاطرة ليس إصلاحاً تلقائياً. وقبل أن نزيد عدد العيون الراصدة، علينا أن نتأكد أنها تنظر إلى المشهد نفسه، وتعرف من يراقب ماذا ومتى ولماذا. فقوة الرقابة لا تكمن في كثرة التقارير على الرفوف، بل في قدرة الدولة على تحويل المعرفة الرقابية إلى قرار يمنع الخلل قبل أن يتكرر.