أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين .. اعتماد دولي جديد يرسّخ مسيرة التميّز
د. اعتماد الجعافرة
03-11-2026 03:51 PM
*ويعزّز الاستثمار في مستقبل التعليم
في مسيرة المؤسسات التربوية، ثمة إنجازات تتجاوز قيمتها حدود الاعتراف المؤسسي، لتغدو شواهد على نضج الرؤية، وجودة الأداء، والقدرة على إحداث أثر يتخطى حدود الحاضر نحو آفاق المستقبل. ومن هذا المنطلق، يكتسب ما تحققه أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين أهمية خاصة؛ فهو امتداد لتجربة وطنية جعلت من تطوير المعلم ركيزة أساسية للارتقاء بالتعليم، ومن التميّز المؤسسي نهجًا في بناء المستقبل.
فقد أعلنت أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، في الثالث من تشرين الثاني عام 2026، حصولها على اعتماد التميّز المؤسسي (Organisation of Excellence Accreditation) من مكتب معايير التطوير المهني المستمر البريطاني (CPD Standards Office)، لتكون أول مؤسسة في الأردن تنال هذا الاعتماد. وجاء ذلك عقب عملية تقييم شاملة استندت إلى معيار التميّز المؤسسي رقم (41000)، وشملت سبعة محاور رئيسية هي: السياق المؤسسي، والقيادة، والتخطيط، والدعم، والعمليات التشغيلية، والتحسين، والأداء التعليمي. وقد عكس هذا التقييم التزام الأكاديمية بمعايير الجودة والممارسات المؤسسية الفاعلة والتحسين المستمر، بما يعزز كفاءة أدائها وجودة خدماتها المقدمة للمعلمين والقيادات التربوية والشركاء.
ويأتي هذا الإنجاز امتدادًا لمحطة دولية مهمة حققتها الأكاديمية في تشرين الثاني عام 2021، بحصول برنامج الدبلوم المهني في التعليم (TEPD) على الاعتماد الأكاديمي الدولي من مجلس اعتماد إعداد المعلمين (CAEP)، لمدة سبع سنوات كاملة، وهي المدة القصوى التي يمنحها المجلس، مستوفيًا معايير الاعتماد دون اشتراطات أو مجالات تحسين. وقد مُنح البرنامج الاعتماد الكامل للمستوى الأول، لتصبح الأكاديمية أول مؤسسة تعليمية في الأردن تحصل على هذا الاعتماد، وثالث مؤسسة تعليمية على مستوى منطقة الشرق الأوسط تناله، بعد جامعتي الإمارات العربية المتحدة وزايد.
إن أهمية هذا الإنجاز الجديد تتجاوز حدود الحصول على شهادة اعتماد دولية؛ فالاعتماد الأكاديمي يؤكد جودة البرنامج المهني ومعاييره ومخرجاته، فيما يعكس اعتماد التميّز المؤسسي كفاءة المنظومة التي تقود العمل وتخطط له وتعمل على تطويره. وهنا تتكامل جودة البرامج مع جودة المؤسسة، لتؤكد أن التميّز الحقيقي لا يقوم على جانب منفرد، بل يستند إلى منظومة متكاملة من الرؤية والقيادة والكفاءة والمراجعة والتحسين المستمر.
ولعل القيمة الأعمق لهذا الإنجاز تكمن في ما يطرحه من سؤال تربوي جوهري: ما الذي يجعل الاستثمار في التعليم استثمارًا حقيقيًا في المستقبل؟ لا تكمن الإجابة في وفرة المباني والتجهيزات والتقنيات وحدها، بل في الإنسان الذي يمنح هذه الإمكانات معناها، وفي مقدمة هؤلاء المعلم؛ فهو ليس مجرد منفذ للمناهج، بل صانع للخبرة التعليمية، ومؤثر في تشكيل وعي الأجيال، ومحور أساسي في تحويل المعرفة إلى تفكير، والتعلم إلى قدرة على الفهم والتحليل والإبداع.
ومن هنا تتجلى أهمية أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، التي تأسست عام 2009 لتكون مؤسسة وطنية تُعنى بتمكين المعلمين والقيادات التربوية، وتطوير كفاياتهم المهنية وفق أسس علمية وممارسات تستند إلى البحث والأدلة والخبرات الدولية. وقد تجاوزت رسالتها مفهوم التدريب التقليدي إلى ترسيخ ثقافة مهنية تؤمن بأن التعلم لا يتوقف بانتهاء التأهيل، وأن التطوير الحقيقي يبدأ حين يصبح التأمل في الممارسة، ومراجعة الأداء، والسعي إلى التحسين، جزءًا أصيلًا من هوية المعلم المهنية.
وتتجسد هذه الرؤية في برامج الأكاديمية، وفي مقدمتها الدبلوم المهني في التعليم، والدبلوم المهني في القيادة التعليمية المتقدمة، وبرامج بيداغوجيا المباحث الأساسية، وبرامج التنمية المهنية وشبكات المدارس. وتستهدف هذه البرامج تطوير الممارسات التعليمية، وتعزيز قدرة المعلم على التخطيط الفاعل، وإدارة التعلم، ومراعاة الفروق الفردية، وتوظيف استراتيجيات تدريس تنقل الطالب من التلقي إلى المشاركة، ومن استظهار المعرفة إلى توظيفها في التفكير وحل المشكلات.
ولا يقتصر دور الأكاديمية على تصميم البرامج التدريبية وتقديمها، بل يمتد إلى تدريب المعلمين وتأهيلهم مهنيًا، ومرافقتهم في تطوير ممارساتهم التعليمية، وتعزيز قدرتهم على تحويل المعرفة النظرية إلى تطبيقات تربوية فاعلة داخل الغرفة الصفية. فمن خلال التدريب النوعي والتطبيق العملي والتأمل في الممارسة، تسهم الأكاديمية في بناء معلم يمتلك أدوات التدريس الحديثة، ويستطيع قراءة احتياجات الطلبة، وتنويع استراتيجيات التعليم، وإدارة بيئة التعلم بكفاءة، بما يجعل التطوير المهني أثرًا ملموسًا في أداء المعلم ونوعية تعلم الطلبة.
فالمعيار الحقيقي لنجاح التنمية المهنية لا يُقاس بعدد الدورات المنفذة أو الشهادات الممنوحة، وإنما بما تُحدثه من تحول في الغرفة الصفية، وما ينعكس عنها على تعلم الطلبة. وحين يصبح المعلم أكثر قدرة على اكتشاف احتياجات متعلميه، وإثارة أسئلتهم، وتنمية مهاراتهم، وتوظيف التقويم لتحسين أدائهم، يتحول التدريب من نشاط مهني إلى قوة تغيير حقيقية في المدرسة.
ولا يكتمل هذا التحول دون قيادة تربوية واعية؛ فالمدرسة التي تنشد التميّز تحتاج إلى قيادة لا تقتصر مهمتها على إدارة الإجراءات والملفات، بل تمتد إلى قيادة التعلم، وبناء فرق العمل، وتحفيز المبادرات، وترسيخ ثقافة التعاون والمسؤولية. ومن هنا تبرز أهمية إعداد القيادات المدرسية القادرة على استثمار الطاقات، وتوجيه الموارد، وتحويل الرؤى والخطط إلى ممارسات ونتائج ملموسة.
وتتعاظم هذه المسؤولية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ولا سيما مع اتساع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. فلم يعد دور المعلم مقتصرًا على تقديم المعلومات، بل أصبح مطالبًا بتعليم الطلبة كيف يصلون إليها، ويتحققون من مصداقيتها، ويحللونها، ويوظفونها بوعي ومسؤولية. كما أصبح إعداد المعلم للمستقبل يتطلب امتلاك وعي رقمي ناقد، وفهمًا لإمكانات التقنيات الحديثة وحدودها، وقدرة على توظيفها تربويًا دون المساس بالجوهر الإنساني للتعليم.
فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على إنتاج المعلومات وتقديم الإجابات، لا تعوّض دور المعلم في بناء الشخصية، وترسيخ القيم، واكتشاف المواهب، وتنمية التفكير المستقل. والتحدي الحقيقي ليس في إدخال التكنولوجيا إلى المدرسة فحسب، بل في إعداد معلم قادر على قيادتها وتوجيهها لتكون أداة لتعميق التعلم، لا بديلًا عن العقل الإنساني.
ومن منظور مؤسسي، يسلط الاعتماد الجديد الضوء على أهمية ترسيخ ثقافة الجودة في مؤسساتنا التعليمية؛ فالجودة ليست شهادة تُعلّق على الجدران، وإنما ممارسة يومية تقوم على وضوح الأهداف، وكفاءة الأداء، وفاعلية التخطيط، والتقييم الموضوعي، والاستعداد الدائم للتطوير. ولا تتوقف قيمة الاعتماد عند لحظة الحصول عليه، بل تتجلى في القدرة على المحافظة على معاييره وتحويلها إلى ثقافة عمل مستدامة.
إن ما تحققه أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين يستحق التقدير والاعتزاز؛ إذ يعكس قدرة مؤسسة أردنية على الحضور في فضاء التميّز الدولي، ويعزز الثقة بكفاءة المؤسسات الوطنية حين تمتلك الرؤية الواضحة، والقيادة الفاعلة، والإرادة الحقيقية للتطوير. كما يؤكد أن الارتقاء بالتعليم ليس مشروعًا آنيًا أو إجراءً إداريًا، بل مسار تراكمي يتطلب الاستثمار في الإنسان، وتجويد المؤسسات، وربط الإنجاز بمؤشرات أثره في الميدان التربوي.
ويبقى الرهان الأهم أن تتسع ثمار هذه التجربة لتصل إلى مختلف مدارسنا ومعلمينا وقياداتنا التربوية، وأن تتحول معايير الجودة والتميّز إلى ممارسة أصيلة في منظومتنا التعليمية؛ فقيمة أي إنجاز تربوي تُقاس في نهاية المطاف بما يتركه من أثر في نوعية التعليم، وبما يمنحه لأبنائنا من فرص أوسع للتعلم والإبداع والمنافسة.
إن اعتماد التميّز المؤسسي، إلى جانب الاعتماد الأكاديمي الدولي، ليس مجرد إضافة إلى سجل إنجازات الأكاديمية، بل شهادة على تكامل الرؤية وجودة المسار. وحين يكون المعلم في صميم الاستثمار، وتكون الجودة أساس العمل، يصبح التعليم أكثر قدرة على صناعة الإنسان الذي نريده لوطننا؛ إنسان يمتلك المعرفة، ويجيد التفكير، ويستطيع أن يقود المستقبل لا أن يكتفي بمواكبته.
فالأمم لا ترتقي بما تملكه من أدوات فحسب، بل بما تبنيه من عقول، وما تؤسسه من مؤسسات، وما تمنحه لمعلميها من مكانة وقدرة على صناعة الأجيال.
*خبيرة تربوية
*مدير الشؤون الإدارية والمالية – تربية لواء المزار الجنوبي