facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خطاب العرش .. الرسائل واضحة، فماذا عن الاستجابة؟


د. عبدالهادي القعايدة
02-11-2026 04:51 PM

ليست المشكلة في الأردن نقصاً في معرفة الأولويات، ولا في غياب العناوين التي ينبغي أن تتحرك الدولة باتجاهها. الأمن معروف، والاقتصاد معروف، والمياه باتت عنواناً لا يحتمل التأجيل، والإصلاح السياسي والإداري لم يعودا ترفاً في ظل ما تواجهه المنطقة من تحولات وما يواجهه المواطن من ضغوط. لكن السؤال الذي يظل حاضراً، بعد كل خطاب سياسي يحدد الاتجاهات، هو: كيف تتحول الرسائل إلى أفعال، والتوجيهات إلى نتائج؟

خطاب العرش السامي الذي افتتح به جلالة الملك عبد الله الثاني الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حمل أكثر من رسالة، لكنه وضع أمام الأردنيين ومؤسساتهم حقيقة واحدة: لا يمكن للدولة أن تكتفي بصيانة استقرارها، بل عليها أن تجعل من هذا الاستقرار مدخلاً لتحسين حياة الناس، وتعزيز ثقتهم بمؤسساتهم، وتوسيع شعورهم بأن المستقبل يحمل فرصاً أفضل.

بدأ الخطاب من الأمن، وهذا مفهوم في ظل المحاولة الإرهابية الأخيرة واستحضار دماء شهداء الكرك. لكن اللافت أن الرسالة لم تتوقف عند حدود المواجهة الأمنية، بل امتدت إلى المجتمع، وإلى ضرورة حماية تماسكه من محاولات الاختراق والتشكيك. فالأردن لا يحميه جيشه وأجهزته الأمنية وحدها، على أهمية دورهما، وإنما يحميه أيضاً مجتمع يعرف أين يقف، ويدرك أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى ثغرة في جدار الدولة.

وفي الإقليم، أعاد جلالة الملك التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً يمكن وضعه جانباً عند ترتيب الأولويات، ولا قضية يمكن فصلها عن أمن المنطقة ومستقبلها. فغزة والضفة الغربية والقدس ليست مجرد عناوين في نشرات الأخبار، وما يجري فيها يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية إلى تهديد بنية الاستقرار الإقليمي. وهذه رسالة تعكس إصرار الأردن على أن السلام الذي يتجاوز الحقوق لا يصنع استقراراً، وأن فرض الوقائع بالقوة لا يمنحها شرعية.

لكن الخطاب، في جانبه الداخلي، لم يكتفِ بتحديد ما ينبغي أن تفعله الحكومة، بل تحدث عن طبيعة الأداء الذي ينتظره الأردنيون من مؤسساتهم. وهنا تبرز الرسالة إلى مجلس الأمة. فالمطلوب من البرلمان ليس أن يكون حاضراً في المشهد السياسي فحسب، بل أن يكون حاضراً في حياة الناس، وأن يدرك أن التشريع والرقابة لا ينفصلان عن السلوك والخطاب واحترام ثقة المواطنين. فالبرلمان لا يُقاس فقط بما يمرره من قوانين، بل بما يقدمه من نموذج في الاختلاف والمسؤولية، وبقدرته على جعل النقاش السياسي منتجاً لا مجرد تنافس على المواقف.

أما الحكومة، فالرسالة إليها أكثر اتصالاً بالنتائج. هناك مشاريع كبرى مطلوب تسريعها، وملف مائي لا يحتمل الانتظار، وتحديث اقتصادي ينبغي أن يغادر مساحة الخطط إلى أرض الواقع. لكن العبارة الأهم في هذا السياق هي أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، لا على هامشه. إنها عبارة تضع المواطن في مواجهة مباشرة مع الأداء الحكومي، وتختصر السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه كل وزارة ومؤسسة: ماذا أضاف قرارنا إلى حياة الناس؟

فالمواطن لا يعيش داخل جداول الإنجاز الحكومية، ولا يقيس التنمية بعدد الاجتماعات واللجان والخطط، وإنما بما يتوافر له من فرص عمل، وما يتحسن في دخله وخدماته، وما يجده من عدالة في التعامل، وما يشعر به من أمان تجاه مستقبل أبنائه. وبين ما تعلنه الحكومات وما يلمسه المواطن قد تتسع فجوة لا تسدها البيانات الصحفية، مهما كانت لغتها مقنعة.

ولذلك لم يكن التشديد على المياه مجرد توقف عند قطاع حيوي. فتكرار الكلمة ثلاث مرات يضع القضية في مكانها الحقيقي: الأمن المائي جزء من الأمن الوطني، والتعامل معه لا يحتمل الحلول المؤقتة أو الانتظار حتى تتحول المخاطر إلى أزمات. والمطلوب ليس إدارة العطش عند وقوعه، بل حماية حق الأردنيين في المياه والتخطيط لموارد الوطن بما يحفظ حقوق الأجيال القادمة.

وفي الإدارة العامة، جاء الكلام الملكي واضحاً إلى حد لا يحتاج إلى تأويل. الوظيفة ليست تشريفاً، والمنصب لا يمنح صاحبه حصانة، وخدمة الناس ليست منّة من الموظف على المواطن. وهذه الرسالة تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ فالمؤسسة التي لا يشعر المواطن فيها بالعدالة والاحترام والكفاءة تفقد جزءاً من رصيدها، مهما امتلكت من صلاحيات أو هياكل تنظيمية. وهيبة الدولة لا تتحقق بكثرة الحديث عنها، بل حين يرى المواطن القانون مطبقاً على الجميع، والخدمة متاحة للجميع، والمساءلة لا تتوقف عند حدود الموقع والنفوذ.

وفي المقابل، فإن مخاطبة الأردنيين والتأكيد على حقهم في التداول بالشأن العام تحمل إشارة مهمة. فالمواطن ليس مطلوباً منه أن يكون متلقياً صامتاً، بل إن الرأي المسؤول والاختلاف المنضبط جزء من الحياة العامة. والاستقرار لا يعني إغلاق باب النقاش، كما أن حماية الجبهة الداخلية لا تعني إلغاء التعدد في الآراء. المطلوب أن يبقى الاختلاف في إطار المصلحة الوطنية، وأن يكون النقد مدخلاً للتصحيح لا وسيلة للهدم.

ما يلفت في الخطاب أيضاً أن رسائله لم تكن موجهة إلى جهة واحدة. فالحكومة مطالبة بالإنجاز، والبرلمان بممارسة دوره بمسؤولية، والإدارة العامة باستعادة المعنى الحقيقي للخدمة، والمواطن بالمحافظة على وعيه ومشاركته. إنها مسؤوليات متقابلة، لا يمكن لطرف أن يطالب الآخرين بها ويعفي نفسه منها.

وهنا نصل إلى جوهر الخطاب. فالأردن لا تنقصه عناوين العمل، لكنه يحتاج إلى أن يرى هذه العناوين وقد أصبحت واقعاً. لا يكفي أن تكون المشاريع كبرى إذا تأخر إنجازها، ولا أن تكون الخطط طموحة إذا لم يشعر المواطن بنتائجها، ولا أن تتحدث المؤسسات عن خدمة الناس إذا ظل المواطن يبحث عن حقه في الوصول إلى الخدمة.

خطاب العرش حدد الاتجاه، ووضع المسؤوليات أمام أصحابها، وذكّر بأن المواطن يجب أن يكون في مركز القرار. وما بعد الخطاب هو الأهم: أن تتحول الرسائل إلى برامج قابلة للقياس، وأن تصبح المساءلة جزءاً من ثقافة العمل العام، وأن ينتقل الإنجاز من لغة المؤسسات إلى حياة الناس.

فالأردني لا ينتظر أن يسمع أن الأمور تسير على ما يرام؛ إنه يريد أن يرى ذلك في حياته. وبين ما يسمعه وما يراه، تتحدد الثقة، وتُختبر المسؤولية، ويصبح للإنجاز معناه الحقيقي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :